حيدر حب الله

22

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

موسى وصحف إبراهيم ما كانت هناك مشكلة لو تمّ الإبلاغ بها جميعاً دفعةً واحدة ، لقلّتها مثلًا أو لقلّة مضمونها التشريعي والديني والمفاهيمي ، تماماً كما هي الحال في بعض ألوان نزول الوحي القرآني ، فأحياناً كانت تنزل سورةٌ قصيرة أو بضع آيات قليلة ، بينما نزلت سور طوال على النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم في مراحل أخرى دفعةً واحدة ، مثل ما هو المعروف من نزول سورة التوبة كلّها تقريباً عليه بعد منصرفه من معركة تبوك . وإذا قلنا بأنّ الديانات يزيد بعضها على بعض كلّما مرّ الزمن ، فمن الطبيعي أنّ المقدار الذي نزل على نوحٍ كان قليلًا جداً مقارنةً بما نزل على محمّد ، فيمكن أن ينزل ذاك دفعة واحدة فيما يحتاج هذا للتدرّج في البيان ، فالقضيّة تتبع طبيعة المجتمع المعاصر لكلّ نبيّ من حيث قدرته على التحمّل ووجود مصالح نوعيّة في اتّباع سياسةٍ هنا أو أخرى هناك ؛ لأنّ الموضوع آليٌّ ميداني أداتي في كيفية التبليغ والدعوة ، وهو يختلف تلقائيّاً تبعاً لاختلاف الظروف والمحيط والزمان والمكان ، فلا موجب لوحدة سياسة الديانات في عملية التبليغ ، تماماً كما هي الحال اليوم ، فأنت في بعض المناطق تبلّغ بطريقة مختلفة عن مناطق أخر ، تبعاً لرؤيتك للأساليب الأفضل في التأثير على المخاطب هنا أو هناك . هذا كلّه ، لو قلنا بأنّ الديانات السابقة لم تستخدم نفس الطريقة التي استُخدمت في القرآن الكريم ، وهي النزول التدريجي ، فألواح موسى نزلت بعد أن نزل الوحي على موسى بسنين ، وبعد أن بلّغهم قدراً لا بأس به من دين الله وتوحيده ، وأظهر لهم - ولفرعون وقومه - المعاجز وغير ذلك ، فهذا أيضاً نحوٌ من التدرّج ، وإذا صحّ ما نقوله لم تعد في الإسلام ميزة التدرّج في البيان ، خلافاً لما جاء في سؤالكم ، فليلاحظ جيداً .