حيدر حب الله
91
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
عمره بإمكانه أن يمنحه - وبطريقة أسهل - خبرة الحياة وتجارب الشعوب ، ولو كان عمره قليلًا ، فأيّ مرجّح لهذه الفرضية على تلك ؟ هذا معناه أنّ ما قيل - وفق اطّلاعي - إلى اليوم هو فرضيات لجعل الغيبة أمراً عقلانيّاً في دائرة الإمكانات ، لا أنّها نظريّات مبرهنة على التفسير الذي تقدّمه ، فليس هناك من فرضية معقولة أقرب سوى أحد أمرين : الأوّل : إنّ وجوده - ولو غائباً - ضرورةٌ تكوينيّة ، وإلا انهار وجود العالم ، ومن ثمّ لا علاقة لغيبته بأمرٍ اجتماعيّ أو بشري . وهذا الفرض يقوم على مثل نظريّة الولاية التكوينيّة العامّة ، ولا أؤمن بها شخصيّاً ، إضافةً إلى أنّ القائلين بمثل نظرية الولاية العامّة التكوينية ، ليسوا ملزمين بالقول بولادة الإمام المهدي وغيبته ، فإنّ المفروض عندهم أنّه موجود قبل خلق العالم بأخبار الأنوار وبتفسير فكرة الصادر الأوّل ووسائط الفيض ، ولا فرق في هذه الأفكار بين كونه قد جاء بناسوته إلى الدنيا وكونه ما يزال في صقع الملكوت ، لهذا فهذه الفرضيّة تثبت وجوده على أبعد تقدير ، لكنّها لا تبيّن سبب عمليّة مجيئه إلى الناسوت وعالم الدنيا ثم غيبته فتأمّل جيداً . الثاني : أن يعتبر غيابه ضرورة فقط لربط الناس بأمرٍ موجود ، فيكون تأثيره سيكولوجيّاً وروحيّاً وعقديّاً . وهذه أيضاً مجرّد فرضيّة لا يوجد عليها دليل عقلي ؛ لأنّه بالإمكان تحقيق الربط النفسي والروحي بأمر سوف يقع لاحقاً ، فنحن نرتبط بالقيامة ارتباطاً عميقاً ، مع أنّها لم تقع بعدُ ، فالربط به لا يحتاج لفرض وجوده وغيبته . نعم ، لا شك في أنّ الربط بأمر حاضر تخاطبه له آثاره النفسيّة الخاصّة التي يمكن الإقرار بحسنها ، لكن أن نجزم - عقلانيّاً - بأنّ الغيبة جاءت لأجل هذا