حيدر حب الله

499

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

مع المنهج ، وأتحدّث فقط في المنهج والتنظيرات والثقافة المخملية الصالونيّة التجريديّة ، ثم أخلي الساحة لتطبيقات المنهج الآخر ، فهذا ضرب من النخبويّة الخياليّة النرجسيّة المتعالية التي لا فائدة منها ، فأنت مقهور على النزول إلى التفاصيل ، لكي يخوض المنهج معركة الوجود فيها . نعم ، قد لا يناسب أن ينزل الجميع للتفاصيل ، فإنّ في هذا استهلاكاً للطاقات وبعثرةً للأولويّات ، لكن نزول البعض ضروريٌّ ، كيف والآخر يخلق كلّ يوم تفاصيله التي تسيطر على الساحة وتشكّل وعياً جديداً سيجعلك في نهاية المطاف في غرفة مغلقة مهما أنتجت من كتبٍ ومجلات وفكر ومؤتمرات ، فهذا مثل التقريب بين المذاهب ، فما لم يدخل التقريبيون في صراع ميداني فكري مع اتجاهات التمزيق والسلفيّة فإنّ الحديث عن التنظيرات العامّة لا فائدة منه حتى لو قدّمت عشرين ألف مجلّد . والمعركة الفكريّة ليست معركة أوراق وتأمّلات في الفضاء الطلق ، بل لها جانب عملي في الإمساك بالأمور ، وهذا الجانب يفرض قوانينه الخاصّة ، وإلا تحوّل الإصلاح إلى نخب تجلس في مقاهي الثقافة والشعر ونوادي الأدب والخطابة ! ! وعموم الناس ومتوسّطو الحال لا تنفع معهم المشاريع الفكرية الكبرى ، بل لابدّ أيضاً من إصلاح التفاصيل والعادات ، أليست هذه سنّة الأنبياء في محاربة العادات حتى الجزئيّة والإطاحة بها ؟ فهل الأنبياء جلسوا ينظّرون في الكلّيات العامّة أم دخل النبيّ في التفاصيل وفي العادات وفي اليوميات وصحّحها حتى لو انفعل قومه الذين لا يريدون تغييرها ؛ لأنّ تغييرها من تغيير مواقعهم وسلطتهم ؟ ! ثالثاً : أتّفق معكم أنّ النزول هذا يجب أن يكون مدروساً ومتوازناً وعقلانيّاً يحسب الحسابات من جميع الجهات ، بحسب ما أوتيت عقولنا من طاقات