حيدر حب الله

447

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

أو بالعكس ، وفي هذه الحال ستجد أنّ الإسلامي ( وأقصد به الذي يتخذ الإسلام منهجاً في الحياة ) رجلٌ مثالي غير واقعي ؛ لأنّه لا يقرأ الأمور بواقعيّة ، فهو يريد تحقيق مجتمع عادل وصالح ومثالي بوصف ذلك هدفاً مرحلياً كأنّه يفترض أنّه سيتحقّق خلال عقد من الزمن مثلًا ، مع أنّ هذا الشعار هو شعار ما فوق عملي ، بمعنى هو يغطّي مسار عملك لكنّه ليس هو الغرض المباشر للأعمال الخاضعة لإطار الزمان والمكان ، وعندما يبتعد الإسلامي عن حساب المصالح والمفاسد وحساب الإمكانات والفرص سيكون مثالياً بالمعنى السلبي للمثاليّة ؛ لأنّه يغرق في القيم المثالية العامّة التي لا تخضع لهذا المنطق والعكس صحيحٌ تماماً ، عندما نجد الإسلامي يغرق في المصالح والمفاسد متناسياً القيم التي تحدّد جهة سيره وتصوّب عمله أخلاقيّاً ، ففي هذه الحال لن يختلف أبداً عن الآخرين من الذين يتّهمهم بالوصوليّة والانتهازية والفساد . المطلوب منّا هو التمييز دوماً في وعينا وثقافتنا بين القيم الأخلاقية بوصفها مؤشرات للمسير وبين الأهداف المرحلية بوصفها نقاطاً نريد في مدّة زمنية الوصول إليها ، فإذا ميّزنا بين هذين النوعين ولم نخلط بينهما في وعينا اليومي ، أعتقد بأنّ كثيراً من الأمور سوف تتضح . ومن المطلوب أيضاً أن يكون في ثقافتنا هذان النوعان من الأهداف معاً ، فكلّ فكر أو دين فيه نوعٌ واحد من هذه الأهداف أو لا يعترف إلا بنوع واحد منها فهو يعاني من مشكلة ، فالفكر الذي لا توجد عنده أهداف مرحليّة عملانية مدروسة هو فكر مثالي غير واقعي ولا يسير في هدى منطق الطبيعة والأشياء ولا يأخذ بالأسباب ولا يدرس الموانع والعقبات ، وكلّ فكر لا توجد عنده أهداف مثالية عليا يعيشها ويحياها في وجدانه وضميره وعقله ، هو فكر قد يهدّد مصالح الإنسان عامّة ويدخل الحياة