حيدر حب الله

275

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

في اللاوعي قد ميّزوا بين الأصول العمليّة فرأوها أصوليّةً ، وبين القواعد الفقهيّة فرأوها غير أصوليّة ، لما كان معنى لهذا الجدل . فالجدل في التعاريف هنا غالباً ما يكون جدلًا في من هو الذي يقدر على تقديم صياغة جامعة مانعة ، لا أنّه جدلٌ في تنظيم أصول الفقه بتمييزه عن غيره ، وإلا فهو متميّز عند الجميع ، فالمعركة معركة صياغات وألفاظ ، فلا تستحقّ كلّ هذا العناء ، فلو كتبنا صفحةً كاملة لتوضيح ما هو هذا العلم لكفى ، ولا حاجة لمعركة الألفاظ في أنّ هذا التعبير يناسب أو لا يناسب ، فإنّني أجدها معركةً لا ترقى إلى مستوى العمق الأصوليّ ، بل لقد استُدرج إليها الأصوليون بتأثير من بحوث التعريف المنطقيّة التي عادةً ما يهمّها تمييز حقائق الأشياء ، والمفروض أنّ التميّز هنا موجود ، إذا تجاوزنا إشكاليّة أنّ هذه التصنيفات للعلوم ليست قضايا حقيقيّة حتى تشملها التعريفات المنطقيّة . فبدل تضييع الوقت في الصياغة فلنتجّه إلى جهد يرصد كلّ مسألة تعالَج اليوم في الأصول ، ليحدّد هل هي أصولية بالفعل فنبقيها أم غير أصولية فنحذفها ؟ ولنرصد كلّ مسألة يتوقّع أن تكون أصوليّة ولا يبحثونها اليوم مثلًا كتاريخية السنّة أو نظريّة المقاصد أو نحو ذلك ، فنقرّر إدراجها في الأصول أم لا . هذا هو البحث المفيد اليوم ، لا الجدل اللفظي في التعريفات . فتناقض الأصوليين في أنّهم تشدّدوا في صياغة التعريفات لعلمهم الذي يدرسونه ، لكنّهم تساهلوا في تمييز علمهم عن العلوم الأخرى في التدوين والتأليف والمعالجة ، فدرسوا قضايا لا علاقة للأصولي بما هو أصولي بها ، وأهملوا قضايا تعدّ من صلب نشاط الباحث الأصولي ، لا سيما البحوث المستجدّة في الاجتهاد الشرعي والتي لم تدرج بعدُ في الدرس الأصولي الرسمي ولا في الكتاب الدراسي