حيدر حب الله

162

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ) ( طه : 53 - 54 ) ، فهذه الآيات تريد أن تعطي نفس مفهوم الآيات الواردة في سورة الذاريات ، حول السماء والأرض ، وقال تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ) ( الزخرف : 9 - 11 ) ، وهذه الآيات أيضاً تريد أن تعطي نفس المفهوم عن الأرض والسماء ، وقال تعالى : ( أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً ) ( النبأ : 6 - 7 ) ، وكذلك ما دلّ على دحو الأرض . ولو تأمّلنا في كلمة ( الماهدون ) لوجدنا أنّها من المهد ، وكلمة ( م . ه - . د ) تدلّ في لغة العرب - كما يقول ابن فارس في ( معجم مقاييس اللغة 5 : 280 ) - على التوطئة والتسهيل للشيء ، في إشارة إلى الراحة والاستقرار والسهولة ، فالآية ليست بصدد الحديث أساساً عن كروية الأرض أو عدم كرويّتها ، وإنّما تحكي عن مفهوم بسيط يستوعبه الإنسان العربي والعادي بشكل واضح ، وهو في نفس الوقت مفهوم حقيقي ، فالأرض من تحتنا مبسوطة مسهّلة ممهّدة لنا مفروشة ، لكن لا بمعنى أنّها مسطّحة مقابل الكرويّة في الفهم العلمي الدقيق ، بل بمعنى أنّها سهلة ، في مقابل ما لو كانت الأرض - لو تصوّرناها - عبارة كلّها عن ما هو أشبه بسهام منبعثة ، فكيف يمكن التنقّل والراحة ؟ ! إنّ كون الأرض تحتنا ممهّدة ومريحة وفيها السهول وليس فقط الجبال الشديدة الوعورة ، لكونها مبسوطة لا متعرّجة غاية التعرّج أو على شكل رماح أو سهام أو منخفضات ومرتفعات