حيدر حب الله

572

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

المجذوذ . ب - يمكن فرض درجات متعدّدة للتكبّر والتواضع ، فهذه مفاهيم ذات تطبيقات نسبيّة ، فقد يكون إنسانٌ في نمط حديثه مع الآخرين متواضعاً ، لكنّه في قبوله بالأكل معهم إذا كانوا فقراء لا يبدي تواضعاً ، فليس هذا تناقضاً في المشهد ، وإنّما هو نقصان في الصورة ، تماماً كالإنسان الخاشع عندما يصلّي صلاة الصبح ، لكنّك تجده في سائر صلواته لاهياً غافلًا ، نعم من المستحسن أن تكتمل الصورة . ج - لا أعلم دعوةً دينية لإظهار الغنيّ نفسه فقيراً ، فهذا شيء لم يثبت بوصفه قاعدة في التواضع ، إذا ما استثنينا إمام المسلمين الذي يوجد كلام في الدعوة لظهوره بمظهر الفقر ، ففي بعض الروايات أنّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده ، وهذا قولٌ في تفسير قوله تعالى : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) ( الضحى : 11 ) ، كما ورد في النصوص ما يفيد مدح الدار الواسعة والمركب الهنيّ وغير ذلك ، بل الوارد في بعض النصوص أنّ بعض الأئمّة وبعض رموز الصحابة المنتجبين كانوا يلبسون ثياباً فاخرة ، وهذا أمر معروف في النصوص التاريخية . وهذا يعني أنّ تطبيق التواضع مسألة نسبيّة تختلف من طريقة إلى أخرى ومن ظرف لآخر ، وأنّ الدين عندما حثّ على التواضع لاحظ أيضاً أنّ هذه القيمة الأخلاقية عليها أن لا تلغي سلباً قيماً أخلاقية أخرى ، فليس من التواضع الظهور بمظهر الفقر أمام غير المسلمين مثلًا . وهذه نقطة مهمّة جدّاً ، وهي أنّ القيم الأخلاقية متعارضة دوماً ، ويندر أن توجد قيمة أخلاقية مطلقة لا تقبل التخصيص ، ولو كان هناك دعوة للتواضع