حيدر حب الله
52
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
لما أشغلت نفسي بالعبادات والرياضات الروحية وأفاض الله علينا من علمه واطّلعت على عالم الحقيقة توضّح لدينا أنّ الأصالة للوجود لا للماهيّة . والسؤال هو : إذا كان مصدر المعرفة واحداً لدى العرفاء وهو الكشف والشهود ، فلماذا تناقضت أقوالهم بالقول بأصالة الوجود واعتباريّة الماهية بالنسبة للأخير أو اعتبارية الوجود وأصالة الماهية بالنسبة لشيخ الإشراق ؟ هل الخروج من حالة الكشف والرجوع للواقع المادي هي السبب ؟ حيث إنّ المعنى لا يمكن إيصاله للمقابل . . . بمعنى آخر هل التعاريف قاصرة عن إيصال المقصود ؟ فكلّ من شيخ الإشراق والملا صدرا صاغ ما اطّلع عليه بطريقته التي يحسبها مطابقةً لما انكشف له من الفيض الإلهي حسب تعبيره ، ولذلك تباينت أقوالهم بخصوص هذا الموضوع ؟ وكمثال علىذلك ألفاظ القرآن الكريم مثل الكرسي ، والعرش ، واللوح ، كلّها ألفاظ مادية لكن هذه الألفاظ لا يمكنها إيصال الواقع الحقيقي لمعاني تلك الألفاظ فكلّ ما يطرح هو معنى مجازي لإيصال المعلومة لأذهان الناس ، وإلا فالألفاظ قاصرة عن إيصال الحقيقة بذاتها للذهن البشري ؛ لأنّه لا يمكن تصوّرها . لذلك حدث اختلاف في فهم هذه الألفاظ ، فمنهم من فهمها على ظاهرها مثل ابن تيمية ومدرسته ، ومنهم من أوّلها مثل الإماميّة والمعتزلة . ثمّ بما أنّ العرفاء اطّلعوا على عالم الملكوت لماذا لا يمكنهم أن يتوصّلوا بطريقة من خلال مكاشفتهم لتوصيل الفكرة للناس ؟ بمعنى آخر لماذا لا يتوسّلوا بالمكاشفات التي لديهم للحصول على طريقة توصل الفكرة بصورة واضحة وسليمة للناس ، كما هو حالهم حين توسّلوا بالرياضات النفسية والمكاشفات لمعرفة الأصيل والاعتباري لكلّ من الوجود والماهية ؟ هل السبب في ذلك هو عزوفهم عن الدنيا لأنّه لا يهمّهم أن تصل ، فمن اطّلع على الحقيقة الإلهيّة سوف