حيدر حب الله

505

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

أغلق باب الاجتهاد عند أهل السنّة عليها ، وهو بيّن في الفقرات السابقة رجحان مذهب أهل البيت عليها ، كما بيّن أنّها كلّها جاءت بعد القرن الأوّل الهجري ، وأنّ أصحابها في نهاية المطاف علماء كغيرهم من علماء الأمّة ، ولهذا ذكر أنّ هؤلاء لم يكونوا ليرضوا بأن يعتبروا مثل الأنبياء بل هم أعلام العلم ورعاته ، فلا يصحّ سدّ باب الاجتهاد بعدهم . وهذا هو نصّ الفقرة الرابعة : « وما الذي ارتج باب الاجتهاد في وجوه المسلمين بعد أن كان في القرون الثلاثة مفتوحاً على مصراعيه ؟ لولا الخلود إلى العجز والاطمئنان إلى الكسل والرضا بالحرمان ، والقناعة بالجهل ، ومن ذا الذي يرضى لنفسه أن يكون - من حيث يشعر أو لا يشعر - قائلًا بأنّ الله عز وجل لم يبعث أفضل أنبيائه ورسله بأفضل أديانه وشرائعه ؟ ولم ينزل عليه أفضل كتبه وصحفه ، فأفضل حكمه ونواميسه ، ولم يكمل له الدين ، ولم يتمّ عليه النعمة ، ولم يعلمه علم ما كان وعلم ما بقي ، إلا لينتهي الأمر في ذلك كلّه إلى أئمة تلك المذاهب فيحتكروه لأنفسهم ، ويمنعوا من الوصول إلى شيء منه عن طريق غيرهم ، حتى كأنّ الدين الإسلامي بكتابه وسنّته ، وسائر بيّناته وأدلّته من أملاكهم الخاصّة ، وأنهم لم يبيحوا التصرّف به على غير رأيهم ، فهل كانوا ورثة الأنبياء ، أم ختم الله بهم الأوصياء والأئمة ، وعلّمهم علم ما كان وعلم ما بقي ، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين ؟ كلا ، بل كانوا كغيرهم من أعلام العلم ورعاته ، وسدنته ودعاته ، وحاشا دعاة العلم أن يوصدوا بابه ، أو يصدّوا عن سبيله ، وما كانوا ليعتقلوا العقول والأفهام ، ولا ليسملوا أنظار الأنام ، ولا ليجعلوا على القلوب أكنّة ، وعلى الأسماع وقراً ، وعلى الأبصار غشاوة ، وعلى الأفواه كمامات ، وفي الأيدي والأعناق أغلالًا ، وفي الأرجل قيوداً ، لا ينسب