حيدر حب الله
49
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
الشخصيّة العربيّة ، فلابدّ أن نكتب أيضاً في نقد الشخصيّة العربيّة ، فهل هي شخصيّة سويّة أم تعاني من أمراض لأسباب أو لأخرى ؟ فعندما لا تكون شخصيّتك سليمة ومتوازنة تعتمد الأخلاقية والمهنية والتجرّد والموضوعيّة ( وهذه كلّها صفات ترجع للبعد الروحي والأخلاقي ) فإنّك قد لا تصل إلى نتائج سليمة ، بل ستظلّ تدافع عن الباطل وتوهم نفسك أنّه الحقّ . وهذه هي مشكلة الكثير من خصوم الأنبياء في عصورهم ، فلو نحن تتبّعنا نصوص خصوم الأنبياء واحتجاجاتهم في القرآن والإنجيل والتوراة فسنرى أنّ أغلبيتها لا تنطلق من بُعد موضوعي معرفي عقلي بقدر ما تنطلق من استبعاد فكرة معيّنة ، أو أنّه لم يعهدها آباؤهم ، أو استخدام منطق السخرية والاستهزاء والتهاون بالأمور ، وكلّها مساوئ أخلاقيّة تفضي بالإنسان إلى إنكار الحقّ ، وعدم الاستعداد للجلوس مع الحقّ جلوساً علميّاً موضوعيّاً هادئاً طالباً للحقيقة بأمانة وصدق ، ولهذا قال تعالى : ( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) ( النمل : 14 ) . ولهذا كنت دائماً أقول بأنّ المواقف الفكرية المعارضة للدين اليوم تشبه - في بعض جوانبها - طبيعة المنطلقات التي انطلق منها خصوم الأنبياء ، لكنّ بعض جوانبها الأخرى لا تشبهها إطلاقاً وإنّما هي مسبَّبة عن الأزمة المعرفيّة وليس الأزمة الأخلاقيّة ، وأنّ علينا أن نميّز في هذا الإطار حتى لا نُسقط الآيات القرآنية على كلّ واقعنا بطريقة خاطئة ، فالقرآن الكريم كان بالدرجة الأولى يواجه اللاموضوعيّة عند العرب وقريش ، ولم يكن في مقابله مفكّرون يثيرون فكراً علميّاً قد يكون خاطئاً ، فهذه حالة محدودة ، وجملة من نصوص القرآن لابد من فهمها في هذا السياق ، ولا أدّعي الشموليّة ، ومن هنا كان يرى مثل السيد