حيدر حب الله

457

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

ولهذا كلّه كانت هناك قيمة مضاعفة للمكان الذي تجري فيه المبايعة آنذاك من حيث اشتماله على الرؤوس الكبيرة في المسلمين ؛ فلو كان المدينة المنوّرة في العصر النبوي ، فإنّ غالبية رؤوس الناس تكون هناك بحيث يعلم في العادة رضا الأطراف بما توافق عليه أعمدة المسلمين المحيطين بالنبي ، ممّن يشكّلون رموز القبائل والعشائر والتيارات ، فهذا أشبه شيء بالنظام البرلماني ( دون الجمهوري ) القائم على أعضاء المجلس النيابي وكتله النيابيّة المعبّرة عن التيارات السياسية في المجتمع ، وهي التيارات التي تملك نفوذاً شعبياً بحجمها عادةً ، أمّا لو جرت البيعة في مكانٍ بعيد من الأطراف كما لو بويع شخص في العصر الإسلامي الأوّل مثلًا في السودان أو طبرستان ( مازندران حالياً ) ، بحيث لا تحوي هذه المنطقة كبار شخصيات المسلمين النافذة في المجتمع ، فإنّ البيعة هنا تكون مجتزأة ، ويقال بأنّه بويع في محلّته ولم يبايعه المسلمون ، بل بايعه أهل السودان ، أو أهل طبرستان ، أو أهل الشام مثلًا . وأمّا اعتبار نظام البيعة هو نفس نظام الانتخابات المعاصر ، فهذا بحث طويل ، إذ توجد عناصر تشابه وعناصر اختلاف ، وهناك من يرى أنّ البيعة إعلانٌ لإدخال زعامة شخص في العهدة والمسؤوليّة الفرديّة ، لا جعل هذا الشخص أميراً ، ويشبّه ذلك بأن يتوفّى زعيم البلاد ، ثم يقوم المجلس المسؤول عن انتخابه بانتخاب شخصٍ آخر ، ثم تقوم المؤسّسات العسكرية والأمنية والسياسية والمدنية الأخرى بإعلان مبايعتها ، وكأنّها تعلن التزامها تجاهه ، لا أنّها تعلن انتخابها له ، بحيث يأخذ شرعيّته منها . وهذا هو الرأي الذي يذهب إليه علماء الإماميّة عادةً في تفسيرهم لمبايعات الناس لأهل البيت كعليّ والحسن عليهما السلام .