حيدر حب الله
26
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
طبّقوا المفهوم نفسه على قضيّة النبوّة والإمامة ، إذ لا فرق فيهما من هذه الناحية ما دامتا عبارة عن واسطة بين العباد وربّهم ليلقي على الناس الحجّة ويوصل إليهم الرسالة والديانة . ثانياً : معنى الفكرة العقلانيّة أعلاه أنّ شروط النبيّ والإمام من حيث قضيّة المنفّرات - لا من حيث مسألة العصمة والعلم ، فهذه حيثية أخرى ليست محلّ بحثنا هنا فتنبّه جيّداً - تتبع طبيعة المجتمع الذي يرسَل النبيّ أو الإمام إليه . وهنا أعتقد أنّ بعض علماء الكلام الإسلامي أخطأ في التعامل مع فكرة المنفّرات ، وأعطاها بُعداً إطلاقيّاً ، فأسقط ثقافة مجتمع على مجتمعات أخرى ، مثلًا ، لنفرض - وهذا مجرّد مثال - أنّ المجتمع العربي يرى أنّ ابن الزنا منبوذ اجتماعيّاً بحيث لو بُعث نبيّاً فسيكون ذلك صادّاً عن قبول دعوته ، أو سيكون ذلك اختياراً غير حكيم من المرسِل ، لكن هل يمكن إطلاق القول بأنّ كلّ نبيٍّ يجب أن يكون طاهر المولد ولا يكون ابن زنا ؟ إنّ هذه الفكرة - أي البعد الإطلاقي في المصاديق - هو نقطة التباس المتكلّمين في تقديري المتواضع ، فقد كان يجب عليهم أن يقولوا : إنّ طبيعة الشروط تتحرّك تبعاً لاختلاف المرسَل اليه ( الشعوب والمدن والقرى ) والظرف والزمان والحال والمكان والأعراف والثقافات وملابسات الإرسال نفسه ، ولهم أن يطبّقوا بعض هذه العناوين على مثل الرسول محمد والأئمّة من حيث معرفتهم بطبيعة المجتمع العربي الذي بُعث الرسول فيه ، حيث يعرفون ما هي المنفّرات التي تُبعد الناس في هذا المجتمع عن النبي مثلًا ، لكنّني لا أستطيع أن أتأكّد من أنّ هذه الصفة - ومن حيث المنفّرية - تعدّ منفراً في مجتمعات الهنود الحمر في أمريكا في القرن السابع الميلادي ، فلو أرسل الله لهم نبيّاً هل كان يجب أن يكون طاهر المولد حتى