حيدر حب الله
26
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
4 - الصبر وحساب المعادلات الإلهيّة : عندما تخرج حركة الوعي والتغيير من مكّيتها ، لتعلن المواجهة ، وتدافع بقوّة عن قناعاتها ، فمن الطبيعي أن يقوم الآخرون بردّ فعل أشدّ شراسة ممّا كانوا يفعلون ؛ ظنّاً منهم أنّ إعلان هذه الحركة عن نفسها ، وانطلاقها في عنفوانها ، سوف يوفِّر الظروف للقضاء نهائيّاً عليها وهي في مهدها . هنا من الطبيعي أن يكون المؤمنون قلّةً نسبيّة . وهنا تقع معركة بدر . هنا تبدأ طبول الحرب تُعلَن من كلّ مكان ، ويشهد الواقع مزيجاً من بدرٍ والأحزاب . . تهويلٌ ، وتسقيط ، وهجوم من جميع الجهات ، وتآمر بين المتناقضات ضدّ حركة الإيمان ، وسقوط كلّ المقدَّسات والحُرُمات ، وتحشيد مدهش ضدّ الحركة التوعويّة الإيمانيّة يريد إنهاء وضعها تماماً . وهنا يكون المظهر الثاني للصبر والتحمُّل ، لكنّه ليس صبر سكوت ، إنّه صبر مواجهة ؛ ليُعلم مَنْ سيصرخ أوّلًا . قد يرتفع الغبار والضجيج في البداية حتّى عنان السماء ، ويفرّ من حول المشروع بعض الضعفاء ؛ هرباً بنفسه ليحيا كما يراها ، ويسلّي نفسه بعناوين وهميّة كاذبة وخادعة . في هذه اللحظة ، أعني بها لحظة الانطلاق القويّ للمشروع ؛ واستعداداً للمواجهة ، تحتاج الحركة إلى قِيَم ومفاهيم إيمانيّة تساعدها على الاستمرار . إنّ الضربة الأولى في المرحلة المدنيّة مهمّة ؛ لأنها إذا كسرت الظهر أجهضت المشروع ، لكنّها إذا لم تكسِرْه قوَّتْ الحركة كلَّها ، وأطلقتها نحو الأمام بطريقة عجيبة . هنا يأتي القرآن الكريم ليؤكّد مجموعة مفاهيم : قال تعالى : ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ( الأنفال : 62 ) . فقادة المشروع وروّاده ومُطلِقوه عليهم أن يعلموا أنّ ما يكفيهم هو الله