حيدر حب الله

543

المدخل إلى موسوعة الحديث النبوي عند الإمامية (دراسة في الحديث الإمامي)

التجاوز والمجاوزة ، تقول : سافرت عن البلد ، أي جاوزته وتعدّيته ، ولكنّها تأتي بمعنى ( من ) ، كما في قوله تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ) ( الشورى : 25 ) ، وقوله تعالى : ( أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ) ( الأحقاف : 16 ) . ولو حلّلنا أفعال النقل والكلام وحكايتهما ، نجد أنّها تتعدّى بحرف الجرّ ( عن ) ، تقول : نقل فلان عن فلان ، أو حدّث عنه ، أو أنبأ عنه ، والتجاوز المفروض في ( عن ) في هذه الموارد ليس متصوّراً بمعناه الحسّي الحقيقي ؛ لأنّ الفعل وهو من جنس الكلام لا استقرار له حتى يعقل تجاوزه ، بل لابدّ أن يكون التجاوز معنويّاً ، لكنّ المتجاوِز والمتجاوز عنه هنا يختلفان عن أصل الأمثلة السابقة لكلمة ( عن ) ، فليس المتجاوِز هو فاعل الفعل ، بل هو الحديث نفسه ، فقول زيد : حدّث عمرو عن بكر ، معناه - على التجاوز - هو : تجاوز الحديث بكراً إلى عمرو ، وهذا غير معقول ، ولا مطابق لواقع التجاوز الذي عرفناه في قولنا : انصرف عمرو عن بكر أو رميت السهم عن القوس ، وهو ما يدلّ على مجرّد ابتعاد عمرو عن بكر ، بينما في قولنا : حدّث عمرو عن بكر لا نعني ذلك ، بل فيه الانفصال والوصول إلى غاية ، ولذا لو قال : أوصل عمرو حديثاً من بكر ، لصحّ وأدّى نفس المعنى . فلا يقصد في تجاوز ( عن ) في العنعنة واقع التجاوز والتعدّي والانفصال من دون ملاحظة الوصول ، والمفروض أنّ الحديث لم ينفصل فقط عن بكر ، وإنّما بلغ عمرواً ، فيكون منتهياً إلى غاية ، وهو مطابق لمعنى ( من ) كما قلنا . وهذا ما يقع في الأسانيد . ولهذا لابدّ من تقدير فعلٍ من الأفعال مثل : قال ، وأخبر ، وحدّث و . . مع كلّ حرف ( عن ) في السند ليتعلّق به ولا يحتاج إلى واسطة ، والنتيجة هي أنّ معنى قولنا : حدّث زيد عن عمرو هو : وصل إلى زيد حديث من عمرو .