حيدر حب الله
82
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
الموضوع بين مرحلة التدوين ومرحلة ما قبل التدوين ، فمرحلة ما بعد استقرار التدوين يمكن القول بأنّها ترتبط باستنساخ الكتب وتناقلها جيلًا بعد جيل ، فيما مرحلة ما قبل التدوين يمكن اعتبارها مرحلة النقل عبر الصدور والأفواه ، بحيث يكون الناقل محتفظاً بالرواية المنقولة في ذهنه ، ثم يقوم بنقلها عبر فمه شفويّاً إلى الجيل اللاحق ، وهكذا . وتبدو مشكلة النقل بالمعنى بشكل بارز في مرحلة ما قبل صيرورة الحديث متناقلًا عبر الكتب واستنساخها ؛ لأنّ استنساخ الكتب - كما مرّ عند الحديث عن الصفة الشرعيّة للنقل بالمعنى - يظلّ في العرف العام والمنهج السائد متمايزاً عن مرحلة النقل بالمعنى ، حيث يقوم المستنسخ بنقل الكلام بعينه الموجود في أصل الكتاب ، ليضعه في نسخته ، ثم ينقله بعينه كذلك للأجيال اللاحقة . ويَطرح بعضُ علماء الإماميّة المعاصرين فكرةً تقول بأنّ منهج تناقل الشيعة للحديث يختلف عن منهج تناقل السنّة له ، فأهل السنّة كانوا يعتمدون الرواية الشفويّة في نقل الحديث ، ولهذا كان المحور عندهم هو الراوي وحالاته وظروفه فركّزوا كثيراً على الرواة ومواصفاتهم وحفظهم وضبطهم ووثاقتهم وغير ذلك ( المنهج الرجالي ) ، وهو ما يفتح المجال عندهم لأزمة النقل بالمعنى بأوسع مدياتها كما رأينا « 1 » ، لكنّ الشيعة لم تكن حالهم بهذه الطريقة ، وذلك أنّهم أخذوا الحديث الشريف من أئمّتهم منذ عصر الإمام الباقر ( 114 ه - ) ، وكانوا يقومون بتدوين الأحاديث في محضر الأئمّة في كتبٍ هي الأصول والمصنّفات الأولى ، ثم بعد ذلك كانوا يقومون بنقل هذه الأحاديث عبر عمليّة نقل الكتب ، بالإملاء أو القراءة ، أو الاستنساخ ، وغير ذلك ، وبهذه الطريقة يكون نقل الشيعة للحديث أقرب بكثير إلى النقل اللفظي ، وأبعد بكثير عن النقل المعنوي ، الأمر الذي
--> ( 1 ) لابدّ لي من الإشارة هنا إلى أنّ ما سنعرضه حول تدوين الحديث الشيعي مما يُعرف بالطريقة الفهرستيّة ، لم أجد أنّ أصحابه ربطوا بينه وبين النقل بالمعنى والنقل باللفظ ، فهذا الربط من عندنا ونحن نريد توظيفه هنا ، ولعلّهم يتبنّونه .