حيدر حب الله

78

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

وقد وقع خلاف بين علماء المسلمين في أصل وجود الحديث المتواتر اللفظي : فبعضهم اعتبره قليل الحصول عادةً « 1 » ، وقد ذكر الشيخ الطوسي ( 460 ه - ) أنّ التواتر موجود في مسائل قليلة نزرة في الشريعة « 2 » ، ومال لندرة التواتر الشهيد الثاني أيضاً ، مستغرباً القول بكثرة وجود المتواتر اللفظي « 3 » . وانطلاقاً من أخذ التواتر اللفظي بعين الاعتبار ، نجد أنّ أبا عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح ( 643 ه - ) قد استصعب وجود المتواتر في كتب الحديث واعتبره عزيزاً « 4 » . وهناك من يذهب من علماء الحديث إلى عدم وجود خبر متواتر من هذا النوع سوى خبر : « من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار » « 5 » . وهناك فريق آخر أنكر وجود هذا التواتر بالمرّة ، ومن أبرز هؤلاء ابن حبّان البُستي ( 354 ه - ) ، حيث صرّح بأنّه يستحيل تحقّق خبر متواتر « 6 » . وأمّا الفريق الثالث في مقابل هذين التوجّهين ( إنكار المتواتر / والقول بعزّته ) ، فهو ما ذهب إليه ابن حجر العسقلاني ومعه جمهور من المشتغلين بالحديث ، حيث قالوا بكثرة الأحاديث المتواترة « 7 » ، ولعلّهم ينظرون إلى التواتر بالمعنى الأعمّ من اللفظي والمعنوي ،

--> والحكمة 2 : 28 - 31 . ( 1 ) انظر : ابن قدامة ، إثبات صفة العلوّ : 64 ، حيث قال بعد عرضه التواتر المعنوي بأنّه لا يكاد يُفهم وجه للتواتر إلا بهذا النحو ، ما يوحي بأنّ التواتر اللفظي عنده بالغ النُدرة . ( 2 ) انظر : الطوسي ، الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد : 187 ؛ ولعلّ كلامه خاصّ بالفقه وإن كان طبيعة استدلاله يصلح للشمول . ( 3 ) انظر : الرعاية : 61 - 62 . ( 4 ) انظر : مقدّمة ابن الصلاح : 162 - 163 ، ونسب إليه بعضهم إنكار الحديث المتواتر تماماً ، لكنّ كلامه لا يعطي حسماً في هذه القضيّة فراجع . ( 5 ) راجع : مقدّمة ابن الصلاح : 162 - 163 ؛ والرعاية : 62 . ( 6 ) البستي ، صحيح ابن حبان 1 : 156 . ( 7 ) انظر : فتح الباري 1 : 181 ؛ وشرح نخبة الفكر : 34 .