حيدر حب الله
60
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
توازن الأدلّة ، وأبرز حوافز المنع « 1 » يمكن إرجاعها - بعد تقدّم الكلام في رواياتهم - إلى : 2 - 3 - 1 - إشكاليّة صدق عنوان الكذب والخيانة في النقل بالمعنى الدليل الأوّل : إنّ في النقل بالمعنى خيانةً وكذباً ، فأنت عندما تنقل غير اللفظ تخبر عن أنّه ( قال ) جملةً ، لكنّه لم يقلها في واقع الأمر ، بل قال تركيبةً لغويّة غيرَها ، فيكون ذلك كذباً وخيانة ، وعندما يكون المنقول عنه مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن الواضح أنّ قبح الكذب والخيانة سوف يكون أشدّ . وهذا الدليل يظهر منه أنّه يقارب الموضوع بعنوانٍ أوّلي ، يُرجِع النقلَ بالمعنى إلى مفهوم الكذب والتزوير ، ويمكن أن يجاب عنه : أ - إنّ النقل بالمعنى لا يصدق عليه عرفاً مفهوم الكذب ؛ فسنّة العقلاء قائمة على النقل بالمعنى ، ولم يتهم أحدٌ أحداً بأنّه كذب عليه ، فلو كان كذباً لبان قبحه ولتداولوه بينهم ، نعم لو دلّ الناقل بكلام أو بقرينة إضافيَّين على أنّه ينقل اللفظ ، ثمّ نقل بالمعنى تمّ هذا ، إلا أنّ مفروض مسألتنا ليس كذلك ، فإنّ كلمة ( قال ) لا تفيد هذا المدلول ، بعد بناء العرف والعقلاء على فهمها بما هو أعمّ من المعنى واللفظ . ومن هنا يصحّ ما قاله صاحب الفصول : « لفظ ( القول ) إمّا حقيقة في القدر المشترك أو مجاز شائع فيه ، بحيث لا ينصرف عند الإطلاق إلى نقل اللفظ » « 2 » . ب - لو كان النقل بالمعنى خيانة أو تزويراً أو كذباً ، فلا يُحتمل أنّ النبيّ وأهل البيت عليهم السلام يجيزون للرواة أن يكذبوا ويخونوهم في النقل ، فضلًا عن أن ننسب هذه التهمة إلى القرآن الكريم ؛ وهذا ما يشكّل منبّهاً وجدانياً لبُعد فرضيّة صدق عنوان الكذب ، لاستبعاد القول بأنّ القرآن كذب ولو للضرورة أو أنّ الإمام رخص بالكذب على لسانه ولو للضرورة ، فصدق عنوان الكذب على النقل بالمعنى بعيدٌ جداً عند العرف والعقلاء .
--> ( 1 ) ذكر بعضهم أدلّةً أخرى ، فيها تطويل غير مهمّ ، فانظر : مناهج المحدّثين : 60 - 69 . ( 2 ) الفصول الغرويّة : 308 .