حيدر حب الله
55
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
إلا أنّ هذا الإيراد في غير محلّه فيما يتصل بالشقّ الأوّل نفسه ؛ لأنّ المسألة لو كانت كذلك ، فإنّ الله نقل القول لا القصد ، ومعه فلا يصحّ نقل جملة واحدة عدّة مرات ، مع وجود اختلافات فيها ، نعم هذا الإيراد يمكن أن يسجّل على مسألة الترجمة ، لا على مسألة تعدّد ألوان النقل بما يعدّد المعنى . يل يمكن أن يقال : إنّ المسألة ليست في العلم بمراد المتكلّم فحسب ، بل في أنّ نقل مراده بغير اللفظ ، فيه خيانةٌ وكذب أو لا ؟ والآيات تدلّنا على أنّ اللفظ ليس بشرطٍ في النقل ، نعم تبقى قضيّة العلم بالمراد ، وهذا قد يدّعيه الإنسان في بعض الموارد أيضاً ، وقد شرطوا العلم بالمراد في جواز النقل بالمعنى ، كما تقدّم وسيأتي بإذن الله ، فإذا صحّ الإشكال هنا فلابدّ من فرضه أنّ الله يعلم بالمراد علماً لا يمكن أن يرقى إليه علم الإنسان ، فالجواز في حقّه تعالى لا يلازمه الجواز في حقّ غيره . ثانياً : ما ذكره صاحب الفصول ، من أنّ محلّ التنازع في مسألة النقل بالمعنى فيما إذا لم يُقم الناقل قرينةً على كونه بصدد النقل بالمعنى ، أمّا هنا فقرينة الموقف معه ، وهو اختلافُ اللغات « 1 » . إلا أنّ كلامه غير واضح على إطلاقه كما ألمحنا مطلع هذا البحث ؛ فإنّ مشكلة النقل بالمعنى ليست فقط في الإيحاء بأنّ اللفظ للنبيّ ، حتى نرفع هذه المشكلة بإقامة القرينة على أنّنا بصدد النقل بالمعنى ، الأمر الذي يمكن أن يدّعيه كلّ القائلين بجواز النقل بالمعنى في الحديث ، من حيث وجود تبانٍ عقلائيّ عام وسنّة متشرّعية عامّة على النقل بالمعنى ، وهما كافيان في تحقيق هذه القرينة الرافعة للإشكال ، فالمشكلة ليست هنا فقط حتى يناقش صاحب الفصول من هذه الزاوية ، بل في أنّ هذا النقل يخالف الأمانة ، ولا ينقل تمام ما أراد المتكلّم بدقّة ، ويوجب تضييع النصوص ، ونحو ذلك ، وهذا لا فرق فيه بين أن يقول الشخص : أنا أنقل بالمعنى أو لا ؛ لأنّ مجرّد قوله هذا إخبارٌ عن أنّني أريد أن أخون المنقول
--> ( 1 ) انظر : الفصول الغرويّة : 308 .