حيدر حب الله
51
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
ثم هل كان كلّ المتشرّعة ينقلون - غير الروايات - باللفظ ، وهل إذا قال أحد لأحد كلمةً نقلها عنه باللفظ ، بما في ذلك العرب وغيرهم ؟ فلماذا لم نجد ردعاً عن هذا النقل لو كان محرّماً شرعاً بعرضه العريض ؟ فهذا كلّه يكشف عن أنّ أهل البيت وعامّة الصحابة كانوا راضين بمبدأ سياسة النقل بالمعنى ، فليست حراماً شرعاً . بل إنّ أهل الكتاب كانوا ينقلون قصص الأنبياء من قبل ، ويحرز بأنّهم لم يكونوا ينقلونها باللفظ ؛ لبُعد ما بينهم وبينهم من حيث زمان التدوين خاصّة اليهود ، ومع ذلك لم نجد ذماً لهم على هذه القضيّة في الكتاب أو السنّة إطلاقاً رغم كثرة النقد عليهم فيهما . وقد تقول : إنّ نفس سؤال الأصحاب عن النقل بالمعنى ، دليلٌ على مركوزيّة النقل باللفظ ، فكيف يُدّعى قيام السيرة المتشرعيّة على ذلك ؟ والجواب أوّلًا : لا يكشف ذلك عن المركوزيّة بمعنى التنديد بالنقل بالمعنى ، بل قد يكون الارتكاز هو أفضليّة هذا النقل حيث يمكن ، وإنّما وجّهوا الأسئلة من باب الخوف والحذر من أن يؤدّي النقل بالمعنى إلى تلاشي بعض المطلوب في الرواية ، وهذا كافٍ في التبرير . ثانياً : إذا كانت هذه الروايات دليلًا على المركوزيّة ، فهي دليلٌ على الجواز أيضاً ، فبعد صدورها كيف يُدّعى قيام السيرة المتشرّعية على النقل باللفظ ، لتكون كاشفاً عن إرادة الإمام النقل باللفظ ، مع أنّه في هذه الروايات نفسها يصرّح بجواز النقل بالمعنى ، ولو بشروط ؟ ثالثاً : من الممكن جداً أن تكون أسئلة أصحاب الأئمّة نتيجة وجود رأي سنّي بلزوم النقل باللفظ ، فأرادوا استبيان الموقف ، لا سيما وأنّه المنقول عن مثل ابن سيرين وابن عمر وأمثالهما ، فلا ينحصر السؤال بمركوزيّة ضرورة النقل باللفظ ، بل قد ينطلق من وجود قول في الوسط الإسلامي به ، فأراد الرواة معرفة حال نقلهم ، وأنّه يجوز أو لا يجوز . وعليه فالسيرة المتشرّعية خير دليل على جواز النقل بالمعنى .