حيدر حب الله
461
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
معقول للالتماس مع حالة العلم بالكذب عادةً . وبهذا يظهر أنّ أخبار من بلغ - كيفما فسّرناها - لا تشمل أو لا يُحرز شمولها للخبر المعلوم الكذب وجداناً . الحالة الثانية : أن يحصل لدينا علمٌ تعبّدي بكذب هذا الخبر الضعيف ، وليس علماً حقيقيّاً وجدانياً ، فالخبر الضعيف ما يزال محتمل الصدق ، نعم ورد خبر صحيح السند يدلّ على عدم وجود الاستحباب ، فالخبر الصحيح السند والمعتبر وإن لم يجعلنا نقطع بكذب الخبر الضعيف ، لكنّه حجّة تعطي علماً تعبديّاً بعدم الاستحباب ، فهل هذا العلم التعبّدي يجعل الخبر الضعيف بحكم المعلوم الكذب تعبّداً لا وجداناً ، مما يجعل أخبار من بلغ غير شاملة له كما لم تشمل المعلوم الكذب وجداناً أو لا ؟ لعلّ المعروف بين الباحثين في قاعدة التسامح هو عدم شمول أخبار من بلغ للخبر الذي قامت حجّة على خلافه ، لكنّ جماعة من العلماء ذهبوا إلى شمول القاعدة لهذه الحالة ، وقالوا : إنّ إطلاق أخبار من بلغ يشمل حالة وجود خبر صحيح على عدم الاستحباب « 1 » . قد يقال بالشمول ؛ وذلك أنّ الإطلاقات سارية المفعول ، ولا موجب لتقييدها ، فإذا عنت قاعدة التسامح إعطاءَ الحجيّة فهي تعطي الحجيّة للخبر الضعيف ، فيُصبح خبراً صحيح السند حكماً ، وتقع المعارضة بينه وبين الخبر الصحيح من الأوّل ، وأمّا على نظريّة الاستحباب الثانوي فأوضح ؛ لأنّه بمجرّد وصول الخبر الضعيف إلى العبد يأتي استحبابٌ ثانوي ، دلّ عليه دليلٌ معتبر السند ، وهو أخبار من بلغ نفسها ، فتقع المعارضة حينئذٍ بينها وبين الخبر الصحيح السند من الأوّل ، ويمكن القول بتقديم أخبار من بلغ ؛
--> ( 1 ) انظر : الطباطبائي ، مفاتيح الأصول : 350 ؛ والشيرازي ، أنوار الأصول 3 : 101 - 102 ؛ والصدر ، مباحث الأصول ق 2 ، ج 3 : 546 - 547 ؛ وبحوث في علم الأصول 5 : 136 - 137 ؛ والأنصاري ، رسائل فقهيّة : 158 ، 164 - 165 .