حيدر حب الله

382

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

الشارع ، وهذا أمرٌ محتمل أيضاً ، وهذا تماماً يجري فيه ما كنّا أوردناه سابقاً - تبعاً للسيد الصدر - في مبحث دليل الانسداد من أنّ الاحتياط في الشأن الفردي قد يكون حسناً ، لكنّه في النظرة الجمعيّة قد يكون منافياً للاحتياط أو مخالفاً للنظام « 1 » ، ونحن لا نُحرز أنّ العقل يحكم فعلًا بحُسن الاحتياط في آلاف الروايات التي لا يُعلم أنّ الشارع يريدها ، وتُساهم لو عملنا بها في تكوين عاداتٍ وثقافات وأعراف ومسلكيّات ، ولها ارتدادات اجتماعيّة واقتصاديّة وغير ذلك ، فلاحظ - مثلًا - روايات النهي عن الزواج من العقيم ، كيف لها ارتدادات على بعض النساء . وليس معيار العقل هنا هو الضرر فقط ، بل العقل هنا يأخذ بعين الاعتبار المفسدةَ الأعم من الضرر ، بل كذلك يأخذ بعين الاعتبار احتماليّات تفويت مصالح أخرى ، فكيف لنا الجزم وسط هذه الحال ؟ وقياسُ الأمر على بعض المندوبات المشمولة في نفسها للعمومات ، مثل بعض الأذكار أو غير ذلك ، قياسٌ غير صحيح ، فليست كلّ المندوبات والمكروهات الواردة في الأخبار الضعيفة واقعةً في هذا السياق فقط ، فراجع ولاحظ كيف أنّ الكثير منها له نتائج اجتماعيّة واقتصاديّة واسرية وغير ذلك . وبعبارةٍ أخرى : قيامة الاحتياط العقلي هنا على أنّ العقل ينفي احتمال الضرر ، ونحن نقول : أنّى للعقل أن ينفي احتمال الضرر هنا في اتّباع الأخبار الضعيفة ، لو نظرنا بصورة جمعيّة ومتكرّرة ، بل حتى بصورة فرديّة في الجملة ، إنّ هذا الأمر في غاية الصعوبة ، فانهارت صغرى الاستدلال العقلي هنا ، دون أن ندّعي الجزم بحصول الضرر ، فانتبه . ثانياً : حتى لو تمّ هذا الحُسن ، فأقصى ما يُفيد الترغيب في العمل لا استحباب هذا الفعل شرعاً ، والمفروض أنّ قاعدة التسامح تُثبت استحباب هذه الأفعال أو كراهتها ، بحيث يكون هذا الاستحباب أو هذه الكراهة جزءاً من الدين ، وهو لا يثبت بحكم

--> ( 1 ) انظر : حيدر حبّ الله ، حجيّة الحديث : 693 - 705 .