حيدر حب الله
358
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
الأمر الذي نجده واضحاً في الأبحاث الفقهيّة المتأخّرة ، حيث يعبرون عن البحث في المستحبّات ، إلا إذا كانت هناك احتماليّة وجوبٍ فيها كغُسل الجمعة ، أو كان فيها خلافٌ مذهبي ، أو كانت ذات تأثير خاصّ كالاستهلال أوائل الشهور . يُشار إلى أنّ القرون الأخيرة شهدت تطوّر درس هذه القاعدة ، وأخذت بُعداً تقعيدياً فيها ، ويمكن القول بالتحديد : بعد صاحب المعالم في بدايات القرن الحادي عشر الهجري ، إذ قلّما نجد قبل هذا العهد دراسات مركّزة حول القاعدة وأدلّتها وامتداداتها ، تلك الامتدادات التي حظيت بأهمية ، كما تحظى بالنسبة لنا بأهميةٍ أيضاً ؛ وقد رأيت أن من أبرز الذين بسطوا البحث في القاعدة كلّ من : محمد تقي الرازي ، والعراقي ، والإصفهاني ، والصدر ، ومحمد الروحاني ، ومحمد صادق الروحاني . . وقد تعرّض المتأخّرون من علماء أصول الفقه للبحث في هذه القاعدة - استطراداً - لدى حديثهم عن إمكانيّة الاحتياط في العبادات ، فهل يمكن في العبادة التي يُشترط فيها قصد القربة أن يأتي بها الإنسان احتياطاً أو لا ؟ وعبر هذا السبيل طرقوا موضوع هذه القاعدة ، باعتبار أنّ أحد أوجه تفسيرها - كما سيأتي - هو الحث على الاحتياط والإرشاد إليه ، كما أنّ نصوصها تشير إلى ذلك إشارةً . وكان من المفترض - منهجيّاً - درج هذا البحث في مباحث السنّة وأخبار الآحاد ، لا تركه هناك ، ثم الاستطراد فيه عند بحث الأصول العمليّة ، وربما لذلك وجدنا السيد باقر الصدر ، كما وجدنا قبله محمد تقي الرازي ، وأخاه محمد حسين الإصفهاني ، والميرزا القمي ، يُدرجون هذا البحث بعد الحديث عن أخبار الآحاد ، كما عند الصدر في أحد كتبه فقط ، وهو دروس في علم الأصول ، أو حجيّة الظنون العامة والخاصة كما عند الرازي الإصفهاني ، وقد صرّح بعض المتأخّرين بأن قاعدة التسامح أجنبيّة عن مباحث البراءة والاحتياط « 1 » .
--> ( 1 ) انظر : محمّد الروحاني ، منتقى الأصول 4 : 518 .