حيدر حب الله

32

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

وإذا تمّ هذا الدليل ، وهو غير تامّ كما قلنا ، ربما كان للشيعة حينئذ أن يُجروه في حقّ أئمّتهم من أهل البيت النبوي ؛ ولا أقلّ مثل الإمام علي بن أبي طالب ، وهو إمام البيان ، إلا أنّه مع ذلك لا يبدو هذا واضحاً ، فعلى فرض ثبوت أنّ النبيّ وأهل البيت كانوا أعلم الناس بالعربيّة وأقدرهم على بيانها الفصيح ، لكن هل يعني ذلك أنّهم استخدموا دائماً أو غالباً وسائل البيان الأفضل والأفصح والأبلغ ؟ هذا ما يحتاج إلى دليل ، وهو غير واضح ، بل الظاهر من تتبّع الروايات أنّهم غالباً ما كانوا يتكلّمون بلغة عادية غير متفوّقة على سائر البيانات التي يتعامل بها عموم الناس ، إلا إذا قيل بأنّ هذه الروايات منقولة عنهم بالمعنى ، وعلى ذلك فكيف نعرف أنّهم كانوا الأبلغ والأفصح عبر ممارسة التتبّع والتقرّي التاريخي والأدبي واللغوي ؟ ! نعم ، لا نرتاب في أنّ النقل بالمعنى - سواء كان لحديث الرسول أم لغيره - لا يضمن أن يحفظ تمام الحيثيات والعناصر الموجودة في النصّ الأصلي ، وهذا طبيعي ، لكنّه لا شيء يؤكّد أنّ المتكلّم كان مريداً لكلّ تلك الحيثيّات التفصيلية ، كما سوف نذكره قريباً إن شاء الله تعالى . هذا ، وليس من شكّ - من حيث المبدأ - في أنّ النقل باللفظ أولى وأفضل من النقل بالمعنى ؛ فإنّ فيه قدراً أكبر من الحفاظ على المضمون ومن الاحتياط في النقل ، ولهذا ذهب بعض علماء الحديث - كالشهرزوري - إلى أنّه لو نقل الراوي بالمعنى كان من ما ينبغي له فعله أن يُتبع نقله وحديثه بقوله : ( أو كما قال ، أو نحو هذا ) « 1 » ، وذلك من باب الاحتياط والتثبّت .

--> بلاغته وفصاحته ، فإنّ إتيانه بمثل هذا الكتاب سوف يعزّز موقعه الارتباطي بالله تعالى وبقضيّة النبوّة والوحي ، إلا إذا قيل بأنّ أبلغيّته إعجازيّة بنفسها فتُثبت نبوّته ولا تضعفها . والأمر موكول إلى محلّه ، وإنّما أحببنا لفت النظر لبعض جوانب هذا الموضوع . ( 1 ) علوم الحديث : 215 ؛ وانظر : الرعاية : 263 .