حيدر حب الله

273

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

بالآحاد هنا إلى من وصفهم بغَفَلَة أصحاب الحديث « 1 » ، وهذا يدلّ على وجود تيار قديم في هذا السياق ، وإن كان الإنصاف أنّ التثبّت من وجود قائلين بالظنّ في العقائد ليس أمراً سهلًا ، خاصّة بين المتقدّمين ، ولو أمكن فالعدد محدود جداً ، وقد شرحنا هذا الأمر في كتاب نظريّة السنّة ، فليراجع . الدليل الثاني : ما ذكره الشهيد الثاني ، من الاستناد إلى وقوع الاختلاف في مرجعيّة الظنّ في المجال العملي وباب الأحكام ، فإذا كان ذلك المجال مختلفاً فيه فكيف بالأمور الاعتقاديّة التي يكون حالها واضحاً أكثر ؟ ! « 2 » . وهذا الكلام غير مقنع أيضاً ؛ فإنّه إن قُصد به بيان الإجماع على الموضوع فقد تقدّم الجواب عنه ، وإن قصد منه استئناف دليل آخر فهو غير مفهوم ، فلنفرض أنّهم اختلفوا في الظنّ الأحكامي ، فهل هذا دليلٌ قائم بنفسه على بطلان الظنّ العقدي ؟ ! تبدو المقاربة غريبة بعض الشيء . وقد يقال : إنّ الشهيد الثاني يريد أن يبيّن أهميّة العقائد ، فإذا كانت حجيّة الخبر في الفقه محلّ نظر ، فكيف بالعقائد ، فبطريق أولى ينبغي القول بعدم الحجيّة فيها . ويناقش بما تقدّم ، بل إنّ إطلاق القول بأهميّة وأولويّة بعض العقائد التفصيليّة على بعض الأحكام الفقهيّة محلّ نظرٍ شديد بل منع ، فموضوعات الدماء وللفروج والأعراض والأموال والحقوق والحيثيّات الاجتماعيّة للأفراد والجماعات ، لا يعلم أهميّة الموضوع العقائدي التفصيلي وأولويّته عليها في الخطورة والتقديم والحساسية . الدليل الثالث : إنّ القضايا العقديّة متقوّمة في هويّتها بعمليّة الاعتقاد ، والاعتقاد لا معنى له إلا حصول اليقين ، إذ مع الظنّ لا يكون هناك اعتقاد ، بل احتمالٌ ترجيحي لا غير ، وهذا يعني أنّ الرجوع للظنّ في العقائديّات يلغي هويتها الذاتية المطلوبة وكفى بهذا

--> ( 1 ) انظر : العدّة في أصول الفقه 1 : 131 . ( 2 ) انظر : المقاصد العليّة : 45 ؛ وحقائق الإيمان : 56 - 57 .