حيدر حب الله
19
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
نقل الرواية الشفويّة بالمعنى ، بينما لا يصحّ ولا يجوز نقل المصنّفات بالمعنى ، مثل النسّاخ ، حيث لا يحقّ لهم أن يكتبوا كتاب زيدٍ بالمعنى ، ويضعوه باسم زيد ، فإنّ فيه تغييراً لتصنيف الآخرين ، وهو مرفوض حتماً « 1 » ، ومخالف لمقتضى الأمانة والوثاقة في النقل ، فلو كان هناك كتاب للنبيّ أو لأحد الأئمّة أو الصحابة لم يجز نقله بالمعنى ، ونحن نقوم باستنساخه ، بل يجب نقله بحرفه ، بخلاف النقل الشفوي . وهذا التمييز جيّد ، لا لأنّ النقل بالمعنى حرام أو خلاف أمانة الشاهد والناقل ، بل لأنّ النصّ اللفظي للمؤلّف - كتابياً - يكون عادةً مقصوداً له ، أي أنّه يريده ، وقس ذلك على نفسك فأنت تجد لو نقلوا عنك شفاهاً ، أي نقلوا عنك كلاماً قلته ، لم تجد مشكلة في أن يكون نقلهم بالمعنى ، ما داموا يحافظون على المقول ، أما لو كتبت كتاباً أو رسالةً أو مقالةً فإنّ تغيير الألفاظ تجد له في نفسك حزازة ورفض عندما يوضع باسمك ؛ لأنّ التركيب في حالات التدوين يكون مقصوداً بنفسه للمؤلّف ، على خلاف الحال في حالات المشافهة ، إلا إذا أبدى المتكلّم قرينةً على ذلك . وعليه ، فبناءً على نظريّة جواز النقل بالمعنى ، يُفترض أن يُقال بهذا التفصيل بين نقل ما قيل مشافهةً ، وبين تغيير الكتاب أو المصنَّف في خصوص حالات الاستنساخ ( دون النقل الشفوي لشيء موجود في الكتاب ؛ فإنّه لا معنى لتحريمه ) ، بحيث يُنسب الكتاب إلى صاحبه الأصلي ، ما لم يُعلم رضاه بذلك ؛ لأنّ الاستنساح بالمعنى مآله - ضمن هذا العرف العام - إلى أنّ المستنسِخ كأنّما يقول : إنّني أخبركم بأنّ هذا هو لفظ الكاتب ، والمفروض أنّ هذا كذبٌ لا يجوز ، فلاحظ . وبعبارة أخرى : التفصيل بين ما لا يُحرز تشدّد المتكلّم فيه وبين ما يُحرز ، سواء كان
--> ( 1 ) انظر : ابن الصلاح ، علوم الحديث : 214 ؛ ووصول الأخيار : 452 ؛ والرعاية : 263 ؛ وحبيب الله الخوئي ، منهاج البراعة 14 : 58 ؛ والمجلسي ، بحار الأنوار 2 : 165 ؛ والغفاري ، دراسات في علم الدراية : 194 ؛ والنووي ، شرح صحيح مسلم 1 : 36 - 37 ؛ والجزائري ، توجيه النظر 2 : 397 .