حيدر حب الله

17

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

ويفترض على هذا أن يكون الناقل - كما يقول العلامة المامقاني « 1 » - عارفاً باللغة المنقول عنها واللغة المنقول إليها معاً ؛ للخصوصيّة نفسها . والمستند في هذا التمييز يمكن القول بأنّه منطقيّ جداً من حيث المبدأ ، فإنّ الذي لا يعرف أو لا يُحسن معرفة اللغة التي يسمعها أو تلك التي يريد نقل الحديث بها ، سيصبح إقدامه على النقل مشوباً بعدم الدقّة والأمانة من قبله ، خاصّة بعد وجود النص والظاهر والمشترك والمجاز والمتشابه في اللغات ، فلا يصحّ له أن يقول بأنّ فلاناً قال ذلك ، لعدم توفّر المعطيات التي تسمح له بالتأكّد من هذا الأمر أو بضمان ذلك . لكن مع ذلك ، فهذا التمييز لا يصحّ طرحه على إطلاقه ؛ لأنّ بعض من لا يحسن اللغة قد يتمكّن من فهم بعض النصوص التي يقولها المتكلّم بشكل واضح جليّ ، بحيث لا يشوبه شكّ في المعنى ولا يلتبس عليه الأمر فيه ، فلا داعي للقول له بأنّه يحرم عليك ذلك مطلقاً ، إلا من باب سدّ الذرائع ، أي من باب أنّنا لو جوّزنا له ذلك فقد فتحنا باباً للخطأ المتوقّع في نقل الحديث النبوي ، وعلى فرض الاعتماد على نظريّة سدّ الذرائع هنا يلزم التحفّظ كثيراً على موضوع النقل بالمعنى برمّته ، كما سوف يأتي التعرّض له عند الحديث عن أدلّة القائلين بحرمة النقل بالمعنى في الحديث النبوي . وعليه ، فبناء على القول بجواز النقل بالمعنى من حيث المبدأ ، يلزم إحالة الأمر إلى الناقل نفسه من حيث وظيفته الشرعيّة والأخلاقيّة ، بأن نقول له بأنّك لو تيقّنت من المعنى ومن أدائه ، جاز لك النقل ، شرط أن لا تكون نسبة الخطأ في فهوماتك ونقلك السابق عموماً عالية جداً ، بحيث يحصل نوع من ارتفاع احتماليّة الخطأ في ما تنقل عموماً ، فلا يجوز لك ذلك في مثل هذه الحال ؛ لعدم وجود ضمان للصحّة موضوعيّاً فيه .

--> الحديث : 213 ؛ والقمي ، القوانين المحكمة : 479 ؛ والغزالي ، المستصفى : 133 ؛ والصدر ، نهاية الدراية : 488 ؛ والنووي ، شرح صحيح مسلم 1 : 36 . ( 1 ) انظر : المامقاني ، مقباس الهداية 2 : 290 - 291 .