حيدر حب الله
124
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
كانوا في عصر ازدهار الكتابة وعمل الورّاقين والنسخ قد فقدت ولا نملك عنها أيّ معلومات أساساً ، كبعض كتب الصدوق والطوسي والمرتضى والمفيد والكليني وغيرهم ، فلو كانت حركة الكتب بهذه السعة والانتشار لكان مقتضى طبيعة الأشياء أن يزداد هذا الأمر كلما تقدّمت السنين ، ومع ذلك لا نجد الأمر على هذه الشاكلة ، فكيف تكون الكثير من كتب الحديث متواترة معلومة منتشرة في العصور المتقدّمة ، لكنّ هذه الكتب ، ومن بينها كتب حديثٍ ورواية ، تصبح مفقودة - ككتاب مدينة العلم - في ما بعد ؟ بل لو كانت الأسانيد للتبرّك كما قيل ، فلا حاجة للتعدّد ، بينما نرى الطوسي والنجاشي في كثير من المواضع يذكرون سلسلةً من الطرق إلى الكتب ، فما هي الضرورة هنا لمثل هذا الأمر ؟ ! وعليه ، فإحالة الطوسي على كتب الفهارس ليس لها إلا معنى واحد ، وهو أنّ التثبّت من كتاب ونسخه مرهون بالعودة إلى هذه الطرق ، وأنّ نقد الطرق والمشيخات هو الباب الضروري للتوصّل للعلم بنسبة الكتاب إلى صاحبه لا غير . بل يتعزّز ما نقول بأنّ الكثير من الكتب التي نقل عنها الطوسي في التهذيبين وذكر طرقها في المشيخة وأحال الباقي للفهارس ، ليست من الكتب المشهورة قطعاً ، الأمر الذي يفرض فيها - وفقاً لنظريّة الفهرستيّين - النظر في الأسانيد للتثبّت منها . ولا أريد أن أتحدّث عن حال الفهارس التي كانت قبل الطوسي واعتمد عليها كما يصرّح الفهرستيّون ، فمن أبرز هذه الفهارس التي اعتمد عليها فهرست ابن بطّة في عشرات المواضع ، لكنّ النجاشي يقول في ترجمة محمد بن جعفر بن أحمد بن بطّة : « كان كبير المنزلة بقم ، كثير الأدب والفضل والعلم ( العلم والفضل ) ، يتساهل في الحديث ، ويعلّق الأسانيد بالإجازات ، وفي فهرست ما رواه غلطٌ كثير . وقال ابن الوليد : كان محمد بن جعفر بن بطّة ضعيفاً مخلّطاً فيما يُسنده » « 1 » . ألا يفضي هذا النصّ للتوقّف في الاعتماد
--> ( 1 ) المصدر نفسه : 372 - 373 .