محمد دشتى

493

روات و محدثين نهج البلاغه (فارسى)

ارتسخت أسماعهم بالهوامّ فاستكّت ، واكتحلت أبصارهم بالتّراب فخسفت ، وتقطّعت الألسنة في أفواههم بعد ذلاقتها ، وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقضتها ، وعاث في كلّ جارحة منهم جديد بلى سمّجها ، وسهّل طرق الآفة إليها ، مستسلمات فلا أيد تدفع ، ولا قلوب تجزع . لرأيت أشجان قلوب ، وأقذاء عيون ، لهم في كلّ فظاعة صفة حال لا تنتقل ، وغمرة لا تنجلي . 4 - الاعتبار بالماضين فكم أكلت الأرض من عزيز جسد ، وأنيق لون ، كان في الدّنيا غذيّ ترف ، وربيب شرف ! يتعلّل بالسّرور في ساعة حزنه ، ويفزع إلى السّلوة إن مصيبة نزلت به ، ضنّا بغضارة عيشه ، وشحاحة بلهوه ولعبه ! فبينا هو يضحك إلى الدّنيا وتضحك إليه في ظلّ عيش غفول ، إذ وطئ الدّهر به حسكه ونقضت الأيّام قواه ، ونظرت إليه الحتوف من كثب ، فخالطه بثّ لا يعرفه ، ونجيّ همّ ما كان يجده ، وتولّدت فيه فترات علل ، آنس ما كان بصحّته . ففزع إلى ما كان عوّده الأطبّاء من تسكين الحارّ بالقارّ ، وتحريك البارد بالحارّ ، فلم يطفئ ببارد إلّا ثوّر حرارة ، ولا حرّك بحارّ إلّا هيّج برودة ، ولا اعتدل بممازج لتلك الطّبائع إلّا أمدّ منها كلّ ذات داء ؛ حتّى فتر معلّله ، وذهل ممرّضه ، وتعايا أهله بصفة دائه ، وخرسوا عن جواب السّائلين عنه ، وتنازعوا دونه شجيّ خبر يكتمونه . 5 - متاعب الموت فقائل يقول : هو لما به ، وممنّ لهم إياب عافيته ، ومصبّر لهم على فقده ، يذكّرهم أسى الماضين من قبله . فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدّنيا ، وترك الأحبّة ، إذ عرض له عارض من غصصه ، فتحيّرت نوافذ فطنته ، ويبست رطوبة لسانه . فكم من مهمّ من جوابه عرفه فعيّ عن ردّه ، ودعاء مؤلم بقلبه سمعه فتصامّ عنه ، من كبير كان يعظّمه ، أو صغير كان يرحمه ! وإنّ للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة ، أو تعتدل على عقول أهل الدّنيا . 222 - ومن كلام له عليه السّلام اخلاقى قاله عند تلاوته : « يسبّح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه » . 1 - ثمرات ذكر اللّه إنّ اللّه سبحانه وتعالى جعل الذّكر جلاء للقلوب ، تسمع به بعد الوقرة ، وتبصر به بعد العشوة ، وتنقاد به بعد المعاندة ، وما برح للّه - عزّت آلاؤه - في البرهة بعد البرهة ، وفي