محمد دشتى

230

روات و محدثين نهج البلاغه (فارسى)

3 النّعم الالهيّة سبحانك خالقا ومعبودا ! بحسن بلائك عند خلقك خلقت دارا ، وجعلت فيها مأدبة : مشربا ومطعما ، وأزواجا وخدما ، وقصورا ، وأنهارا ، وزروعا ، وثمارا . ثمّ أرسلت داعيا يدعو إليها ، فلا الدّاعي أجابوا ، ولا فيما رغّبت رغبوا ، ولا إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا . أقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها ، واصطلحوا على حبّها . 4 اخطار العشق المجازي ومن عشق شيئا أعشى ( أعمى ) بصره ، وأمرض قلبه ، فهو ينظر بعين غير صحيحة ، ويسمع بأذن غير سميعة ، قد خرقت الشّهوات عقله ، وأماتت الدّنيا قلبه ، وولهت عليها نفسه ، فهو عبد لها ، ولمن في يديه شيء منها ، حيثما زالت زال إليها ، وحيثما أقبلت أقبل عليها ؛ لا ينزجر من اللّه بزاجر ، ولا يتّعظ منه بواعظ ، وهو يرى المأخوذين على الغرّة ، حيث لا إقالة ولا رجعة . كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون ، وجائهم من فراق الدّنيا ما كانوا يأمنون ، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون . فغير موصوف ما نزل بهم . 5 - أحوال ما قبل الموت اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، وتغيّرت لها ألوانهم ، ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنّه لبين أهله ينظر ببصره ، ويسمع بأذنه ، على صحّة من عقله ، وبقاء من لبّه ، يفكّر فيم أفنى عمره ، وفيم أذهب دهره ! ويتذكّر أموالا جمعها ، أغمض في مطالبها ، وأخذها من مصرّحاتها ومشتبهاتها ، قد لزمته تبعات جمعها ، وأشرف على فراقها ، تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ، ويتمتّعون بها ، فيكون المهنأ لغيره ، والعبء على ظهره . والمرء قد غلقت ( علقت ) رهونه بها ، فهو يعضّ يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره . ويتمنّى أنّ الّذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه ! فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتّى خالط لسانه سمعه ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ، ولا يسمع بسمعه : يردّد طرفه بالنّظر في وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ، ولا يسمع رجع كلامهم . ثمّ ازداد ( زاد ) الموت التياطا به ، فقبض بصره كما قبض سمعه ، وخرجت الرّوح من جسده ، فصار جيفة بين أهله ، قد أوحشوا من جانبه ، وتباعدوا من قربه . لا يسعد ( يعد ) باكيا ، ولا يجيب داعيا . ثمّ حملوه إلى مخطّ ( محطّ ) في الأرض ، فأسلموه فيه إلى عمله ، وانقطعوا عن زورته . 6 صفة البعث والنشور حتّى إذا بلغ الكتاب أجله ، والأمر مقاديره ، وألحق آخر الخلق بأوّله ، وجاء من أمر اللّه ما