المحقق البحراني

176

الحدائق الناضرة

الموجب للمدح والثواب ، ومن المقطوع به أنك لو تكلفت تخيل ذلك بجنانك وذكرته على لسانك لكنت سخرية لكل سامع ومضحكة في المجامع ، وهذا شأن النية في الصلاة أيضا ، فإن المكلف إذا دخل عليه وقت الظهر مثلا وهو عالم بوجوب ذلك الفرض سابقا وعالم بكيفيته وكميته . وكان الغرض الحامل له على الاتيان به الامتثال لأمر الله سبحانه مثلا ، ثم قام عن مكانه وسارع إلى الوضوء ، ثم توجه إلى مسجده ووقف في مصلاه مستقبلا ، وأذن وأقام ثم كبر واستمر في صلاته . فإن صلاته صحيحة شرعية مشتملة على النية والقربة . وإن أردت مزيد ايضاح لمعنى النية فاعلم أن النية المعتبرة مطلقا إنما هي عبارة عن انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها عاجلا أو آجلا ، وهذا الانبعاث والميل إذا لم يكن حاصلا لها قبل فلا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد النطق باللسان أو تصوير تلك المعاني بالجنان هيهات هيهات ، بل ذلك من جملة الهذيان ، مثلا - إذا غلب على قلب المدرس أو المصلي حب الشهرة وحسن الصيت واستمالة القلوب إليه لكونه صاحب فضيلة أو كونه ملازم العبادة وكان ذلك هو الحامل له على تدريسه أو عبادته ، فإنه لا يتمكن من التدريس أو الصلاة بنية القربة أصلا وإن قال بلسانه أو تصور بجنانه ( أصلي أو أدرس قربة إلى الله ) وما دام لم يتحول عن تلك الأسباب الأولة وينتقل عن تلك الدواعي السابقة إلى غيرها مما يقتضي الاخلاص له تعالى ، فلا يتمكن من نية القربة بالكلية ، وحينئذ فإذا كانت النية إنما هي عبارة عن هذا القصد البسيط الذي لا تركيب فيه بوجه ، ولا يمكن مفارقته لصاحبه بعد تصور تلك الأسباب الحاملة على الفعل إلا بعد الدخول في الفعل ، فكيف يتم ما ذكروه من معاني المقارنة المقتضية للتركيب وحصول الابتداء فيه والانتهاء ، بامتداده بامتداد التكبير وانحصاره بين حاصرين من الهمزة والراء ؟ إلى غير ذلك من التخريجات العرية عن الدليل ، والتمحلات الخارجة عن نهج السبيل ، الموقعة للناس في تيه الحيرة والالتباس والوقوع في شباك الوسواس الخناس .