المحقق البحراني
469
الحدائق الناضرة
فلما ظفرت به وفرغت عما بيني وبينه رجعت إلى الكوفة ، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوما ، فأخبرت صاحب البغل بعذري وأردت أن أتحلل منه بما صنعت وأرضيه ، فبذلت له خمسة عشر درهما ، فأبى أن يقبل ، فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقضية وأخبره الرجل . فقال لي : ما صنعت بالبغل ؟ قلت قد دفعته إليه سليما قال : نعم بعد خمسة عشر يوما قال : فما تريد من الرجل ؟ قال : أريد كري بغلي ، وقد حبسه على خمسة عشر يوما قال : ما أرى لك حقا ، لأنه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة فخالف وركبه إلى النيل وإلى بغداد ، فضمن قيمة البغل وسقط الكري ، فلما رد الرجل البغل سليما وقبضته لم يلزمه الكري . قال : فخرجنا من عنده ، وجعل صاحب البغل يسترجع . فرحمته مما أفتى به أبو حنيفة فأعطيته شيئا وتحللت منه ، وحججت في تلك السنة فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام بما أفتى به أبو حنيفة فقال لي : في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء مائها وتمنع الأرض بركتها . قال : فقلت لأبي عبد الله عليه السلام : فما ترى أنت ؟ قال : إن له عليك مثل كري البغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل ، ومثل كري البغل راكبا من النيل إلى بغداد ، ومثل كري البغل من بغداد إلى الكوفة ، توفيه إياه . قال : فقلت - جعلت فداك - : قد علفته بدراهم ، فلي عليه علفه ؟ قال : لا ، لأنك غاصب . فقلت : أرأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمني ؟ قال : نعم ، قيمة البغل يوم خالفته . فقلت : فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز ؟ فقال : عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترد عليه . قلت : فمن يعرف ذلك ؟ قال : أنت وهو إما أن يحلف هو على القيمة وتلزمك ، وإن رد اليمين عليك فحلفت على القيمة فيلزمك ذلك ، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكترى كذا وكذا ، فيلزمك . فقلت : كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحللني .