المحقق البحراني
173
الحدائق الناضرة
أقول : لا يخفى أن الذي حصل من فعل السحرة يومئذ ، هو كون تلك الحبال والعصي التي ألقوها حياة تتحرك ، ومن الظاهر أن الحركة الثابتة لها ناشئة من الزيبق بعد طلوع الشمس عليها ، وأما كونها حياة في نظر الناظر إليها يومئذ بهذا ، هو الذي حصل به السحر في أعين الناس حيث إنهم بعد رؤيتها حبالا أولا وعصيا . صارت حياة في نظرهم ثانيا ، وأكد ذلك حركتها ، فكونها حياة في نظرهم لا بد من حمله على مجرد التخيل والتوهم ، الذي نشأ من سحرهم ولذلك قال سبحانه : " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " ( 1 ) . ولأنه لو أمكن الساحر أن يقلب حقيقة من الحقايق إلى حقيقة أخرى ، لزم مشاركته لله تعالى في الخلق ، وهو باطل عقلا ونقلا ، ولأمكن أن يعيد نفسه من الهرم إلى الصغر ، ويدفع عن نفسه الأسقام والآلام ، والكل مما يقطع ببطلانه عند جملة الأنام . وقد ورد في حديث الزنديق الذي سأل الإمام الصادق عليه السلام المروي في الاحتجاج ( 2 ) ، قال : أفيقدر الساحر أن يجعل الانسان بسحره في صورة الكلب والحمار أو غير ذلك ؟ قال : هو أعجز من ذلك وأضعف من أن يغير خلق الله سبحانه ، إن من أبطل ما ركبه الله تعالى وصوره فهو شريك الله تعالى في خلقه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، لو قدر الساحر على ما وصفت ، لدفع عن نفسه الهرم والآفة والمرض ، ونفى البياض عن رأسه ، والفقر عن ساحته وقال عليه السلام في الحديث المذكور لما سأله الزنديق فيما سأله ، فقال : أخبرني عن السحر ما أصله وكيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه وما يفعل ؟ قال عليه السلام : إن السحر على وجوه شتى ، وجه منها بمنزلة الطب ، كما أن الأطباء وضعوا لكل داء دواء فكذلك علم السحر ، احتالوا لكل صحة آفة ، ولكل عافية عاهة ، ولكل معنى حيلة ، ومنه نوع آخر : خطفة وسرعة ومخاريق وخفة ونوع منه ما يأخذ أولياء الشياطين منهم . قال : من أين علم الشياطين السحر ؟ قال : من حيث عرف الأطباء الطب ،
--> ( 1 ) سورة طه : 66 ( 2 ) احتجاج الطبرسي ج 2 ص 81 - 82 طبعة النجف الأشرف .