المحقق البحراني

15

الحدائق الناضرة

لأن الواجب الكفائي مع وجود من يقوم به يسقط وجوبه عن الباقين ، فيكون مستحبا ويكون هذا من القسم الثاني في التقسيم الأول . وما يتوقف عليه الوصول إلى مرتبة الاجتهاد من العلوم الآتية وغيرها تابع له في الوجوب والاستحباب . ثم إعلم أيضا أن تحصيل الرزق منه ما يكون واجبا وهو ما يحصل به البلغة والكفاف لنفسه وعياله الواجبي النفقة عليه بحيث يخرج عن أن يكون مضيقا . ومنه ما يكون مستحبا ، وهو طلب ما زاد على ذلك للتوسعة على نفسه وعياله ، وهو الصرف في وجوه البر والخيرات . ومنه ما يكون مكروها وهو ما يقصد به الزيادة في جمع المال وادخاره والمكاثرة والمباهاة به والحرص عليه . ومنه ما يكون محرما وهي ما يقصد بتحصيله الصرف في اللهو واللعب والمعاصي ونحو ذلك . إذا عرفت ذلك فاعلم : أن وجه ما أشرنا إليه آنفا من التفصيل ، هوان هيهنا صورا : ( إحديها ) تعارض الواجب العيني من طلب العلم مع الواجب من طلب الرزق ، والظاهر أن الواجب هنا تقديم طلب الرزق إن انسدت عليه وجوه التحصيل مما سواه لأن في تركه حينئذ القاء باليد إلى التهلكة . والمعلوم من الشارع في جملة من الأحكام تقديم مراعاة الأبدان على الأديان ، ولهذا أوجب الافطار على المريض المتضرر بالصوم وإن أطاقه . والتيمم على المتضرر بالماء وإن لم يبلغ المشقة ، والقعود في الصلاة على المتضرر بالقيام . وأباح الميتة لمن اضطر إليها ، ونحو ذلك مما يقف عليه المتتبع . أما لو حصل له من وجه الزكاة أو نحوها مما يمونه وجب تقديم العلم البتة . ( وثانيها ) تعارض الواجب العيني من العلم ، مع المستحب من طلب الرزق ولا ريب في تقديم طلب العلم . ( وثالثها ) تعارض الواجب من طلب الرزق ، مع الواجب الكفائي من طلب العلم ، ولا ريب أيضا في تقديم طلب الرزق لما ذكر في الصورة الأولى .