الشيخ يد الله الدوزدوزاني التبريزي
37
دروس في تفسير القرآن (حول المعاد)
والمرّة الثالثة وهو قوله تعالى : وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ انّما هو بلحاظ النظر إلى كيفيّة إحياء الحمار وجمع عظامه وكسائها لحماً ، وهذا واضح لا يخفى . بقي في المقام بيان شيء ، وهو : أنّ بعض المفسّرين من المتأخّرين قال : « انّ المراد من العظام : العظام التي في الأبدان الحية ، فانّها في نمائها واكتسائها باللحم من آيات البعث فانّ الذي أعطاها الرشد والنماء بالحياة لمحيى الموتى ، وأنّه على كلّ شئ قدير ، وممّن صرّح بذلك هو رشيد رضا في المنار ، حيث قال : قال الأستاذ الامام : انّه بعد أن أراه الآية التي تكون حجة خاصة لمن رآها نبّهه إلى الحجّة العامّة والدليل الثابت الّذي يمكن أن يحتجّ به على البعث في كلّ زمان ومكان وهو سنّته تعالى في تكوين الحيوان وإنشاء لحمه وعظمه ؛ فالانشاء معناه التقوية ، والأنشاز معناه التنمية ؛ لأنّ الّذي ينمو يعلو ويرتفع ، كأنّه يقول : كما أطّلعناك على بعض الآيات الخاصّة التي تدلّك على قدرتنا على البعث نهديك إلى الآية الكبرى العامّة ، وهي كيفيّة التكوين ، وانّما كانت هي الآية العامّة ؛ لأنّ القرآن يحتجّ بها على جميع الخلق » « 1 » . قلتُ : ما ذكره وإن استجوده البعض ممّن تأخّر عنه ، الّا أنّه غير ظاهر من الآية ، بل هو استحسان صرف ؛ لأنّ النظر انّما يصحّ الأمر به فيما يكون المنظور إليه قابلًا للنظر ، كقوله تعالى : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ . وأمّا في المقام فلا يصحّ ؛ فإنّ كساء العظم باللحم غير قابل للرؤية . ثمّ انّه بعد اثبات الأمر بالإعجاز وانّه تعالى يحيي الموتى يوم البعث كاحيائه تعالى الرجل وحماره بالاعجاز لا يبقى محلّ لاثباته بأمر عادي ، أعني إنشاء اللحم في العظام ، بل يكون الاستدلال الثاني انتقالًا من القويّ إلى الضعيف ، وهذا شيء غير صحيح في مقام الاستدلال ، كما لا يخفى .
--> ( 1 ) . تفسير المنار 3 : 51 .