الشيخ يد الله الدوزدوزاني التبريزي
32
دروس في تفسير القرآن (حول المعاد)
تفسير الآية : وانظر إلى حمارك قوله تعالى : بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ . الآية جواب عن قوله : لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، وكأنّه يقول تعالى : انّك أخطأت في قولك ، بل لبثت مائة عام ، فالجواب يتضمّن أنّه أماته ولبث مائة سنة كذلك ، وبعدها أعاد روحه إليه من دون أن يبلى بدنه ، وحيث كان لاستبعاده ذلك مجالٌ استشهد على قدرته لحفظه عن الإبلاء ، بقوله : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ، أي : لم يتغيّر ، وكما أنّ اللّه حفظ الطعام والشرابَ عن التغيّر والفساد كذلك حفظ بَدَنَك عن الفساد والتغيّر . ثمّ استشهد على لبثه مائة سنة بقوله : وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ . . . فالمعنى : وانظر إلى حمارك فإنّه قد فسد وتفرّقت أجزاؤه ، فهذا دليل على لبثك مائة سنة ، ودليل أيضاً على تفرّق أجزاء الحمار وصيرورتها عظاماً ؛ لأنّه لا يكون ذلك في مدّة يوم أو يومين . وأمّا قوله تعالى : وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً ظاهر الآية أنّها استشهاد على لبثه مائة سنة ، وهذا لا يصحّ الّا على فرض كون عظام الحمار متفرِّقةً ، والّا فلو فرض بقاؤه مثل الطعام والشراب بلا تغيير لا يصحّ الاستشهاد بها ، والحال أنّ ظاهر الآية هو الاستشهاد . وبتقريبٍ آخر : لو كان الحمار غير متغيّر مثل الطعام والشراب لم يكن لتكرار لفظ « انظر » وجه ؛ حيث إنّ تكراره انّما يصحّ لنقل الكلام من جهة إلى جهة أخرى ، فيكون المراد من كلمة « انظر » الثانية لبيان : أنّ حمارك قد تفرّقت أجزاؤه وبادت عظامه ، ومن هنا قال البغداديّ : « وكون المراد : انظر اليه سالماً في مكانه كما ربطته