الشيخ يد الله الدوزدوزاني التبريزي

130

دروس في تفسير القرآن (حول المعاد)

وهذه احتمالات احتملها المفسّرون ، ولا يبعد أن يكون المراد أنّه يجب عليك أن تجادلهم بجدال يكون فيه المطلب واضحاً وموضّحاً ، دون أن يكون الجدال انحرافياً ، كما في جدال الناس بعضهم مع بعض ، حيث يكون قصدهم في ذلك ألّا يكونوا مغلوبين للخصم ، بل غالبين في الجدال والبحث ، وإلى ذلك يشير قوله تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . وحاصل المعنى : أنّه إذا كان ربّك أعلم وقد أنبأك نبأهم فلا تحاجّهم في أصحاب الكهف إلّا بمحاجّةٍ واضحة وموضّحة ، ولا تجادلهم بجدال كجدال الناس بعضهم بعضاً في المغالبة والمخاصمة ، حيث لا يكون غرضهم إلّا المغالبة ، لا الإفهام والتّفهيم . قوله تعالى : وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً . قد نهى الله نبيّه ( ص ) أن يستفتي أهل الكتاب عن شأنهم وعددهم ، وهذا صريح الآية ، فحينئذٍ يقع الكلام في وجه هذا النهي ، وقد يظهر من بعض المفسّرين أنّه حين تأخّر الوحي في شأن أصحاب الكهف - على ما يأتي بيانه في الآية ألآتية - حاول النبيّ ( ص ) أن يسأل من بعض أهل الكتاب ما وجدتم في كتابكم في شأنهم ؟ فنزل جبرئيل ( ع ) وقصّ القصّة عليه ، ونهاه المسألة منهم ، ولعلّه إليه يرجع كلام العلّامة في الميزان : « ولا تطلب الفتيا في الفتية من أحد منهم فربّك حسبك » « 1 » . وقوله : « فربّك حسبك » إشارةٌ إلى ما ذكرناه . قلت : هذا الوجه بعيد غاية البعد لا يمكن المصير إليه ؛ لجهات ليس لذكرها مجال ، مع أنّه ليس له نظير بأن يرجع النبيّ ( ص ) إلى اليهود والنصارى لحلّ معضلة ، كما لا يخفى على الناقد البصير . والأوجه أن يقال كما قال في المجمع : « والخطاب للنبيّ ( ص ) ، والمراد غيره ؛ لئلّا يرجعوا في ذلك إلى مُساءَلَه اليهود فإنّه كان واثقاً بخبر الله تعالى » « 2 » .

--> ( 1 ) . الميزان : 13 / 270 . ( 2 ) . مجمع البيان : 5 - 6 : 711 ، س 8 .