الشيخ يد الله الدوزدوزاني التبريزي
11
دروس في تفسير القرآن (حول المعاد)
تعالى ، وايمانهم بانّه مرشدهم إلى الصواب والحقّ ، وأنّه مُنْقذهم من استعباد فرعون ، ولكنّهم أجابوه بذلك القول الذي أثّر فيه لحدٍّ أفنى صبره ، كما أثّرت أفعال اليهود في قلب البشريّة ، فمن هنا ترى أنّ كلّ انسان ساذج إذا سمع أقوالهم وشاهد أعمالهم مع نبيّهم يتعجّب كلَّ العجب ، ولذا أجابهم موسى ( ع ) مغضباً : أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ . ضعف ايمانهم بموسى ( ع ) : وعلى أىّ حالٍ لو أنّهم أطاعوا موسى ( ع ) حينما أمرهم بذبح بقرة وذبحوا أيّ بقرة لنالوا مرادهم ولعرفوا القاتل ، ولكنّ عنادهم وضعف إيمانهم منعا هم من تلك الإطاعة ، فضيّقوا على أنفسهم في قولهم : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ، ثمّ تمادوا في عنادهم ، وقالوا : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها ، وتمادوا مرّةً ثالثةً بقولهم : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا . وظاهر أقوالهم تلك كاشف عن نوع من الشكّ والترديد في أمر البقرة ، مضافاً إلى ذلك أنّ قولهم : رَبَّكَ ( دليل واضح على ضعف إيمانهم بالله تبارك وتعالى ، حيث أضافوا الربّ اليه وقالوا : ادْعُ لَنا رَبَّكَ . وأقبح من ذلك هو قولهم لموسى ( ع ) في آخر كلامهم بعد تعيين البقرة : الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ، فانّ مفهومه هو : أنّ موسى ( ع ) لم يكن على جادّة الحقّ ، ولم يأتهم بالصواب قبله ، وهذا لمثل موسى ( ع ) نسبة عظيمة وكلام ذو نصل وجراحة لا مرهم لها . وعند مقايسة هذه الأقوال والعناد في الأفعال الصادرة عنهم ومقارنتها بأفعال اليهود مع غيرهم على مرّ العصور ستجدها على منوال واحد في ذلك ، ومن هنا حقّ القول عليهم بأنّهم ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ « 1 » ، فانّهم أذلّاءُ في كلّ حين وان كانوا متجبّرين قاهرين ، كما لا يخفى ذلك على المتدبّر .
--> ( 1 ) . البقرة : 61 .