المحقق البحراني
13
الحدائق الناضرة
مساو له ، واعتدل الشيئان أي تساويا ، وفي اصطلاح أرباب الحكمة وأهل العرفان عبارة عن تعديل قوى النفس وتقويم أفعالها بحيث لا يغلب بعض على بعض . وتوضيح ذلك أن للنفس الانسانية قوة عاقلة هي مبدأ الفكر والتمييز والشوق إلى النظر في الحقائق والتأمل في الدقائق ، وقوة غضبية هي مبدأ الغضب والجرأة لدفع المضار والاقدام على الأهوال والشوق إلى التسلط على الرجال ، وقوة شهوية هي مبدأ طلب الشهوة واللذات من المآكل والمشارب والمناكح وسائر الملاذ البدنية والشهوات الحسية ، وهذه القوى متباينة جدا فمتى غلب أحدها انقهرت الباقيات وربما أبطل بعضها فعل بعض ، والفضيلة البشرية تعديل هذه القوى لأن لكل من هذه القوى طرفي أفراط وتفريط ، فأما القوة العاقلة فالسفاهة والبلاهة والقوة الغضبية التهور والجبن والقوة الشهوية الشره وخمود الشهوة ، فالقوة العاقلة تحصل من تعديلها فضيلة العلم والحكمة والغضبية تحصل من تعديلها فضيلة الشجاعة والقوة الشهوية تحصل من تعديلها فضيلة العفة ، وإذا حصلت هذه الفضائل الثلاث التي هي في حاق الأوساط وتعادلت حصل منها فضيلة رابعة وملكة راسخة هي أم الفضائل وهي المعبر عنها بالعدالة ، فهي إذا ملكة نفسانية تصدر عنها المساواة في الأمور الصادرة عن صاحبها ، وتحت كل واحدة من هذه الفضائل الثلاث المتقدمة فضائل أخرى وكلها داخلة تحت العدالة فهي دائرة الكمال وجماع الفضائل على الاجمال . وأما في اصطلاح أهل الشرع الذي هو المقصود الذاتي بالبحث فأقوال : ( الأول ) ما هو المشهور بين أصحابنا المتأخرين من أنها ملكة نفسانية تبعث على ملازمة التقوى والمروة ، واحترزوا بالملكة عما ليس كذلك من الأحوال المنتقلة بسرعة كحمرة الخجل وصفرة الوجل بمعنى أن الاتصاف بالوصف المذكور لا بد أن يكون من الملكات الراسخة التي يعسر زوالها . واختلف كلامهم في معنى التقوى ، فقيل هي اجتناب الكبائر والصغائر من المكلف العاقل ، ونسبه شيخنا الشهيد الثاني إلى جماعة من أجلاء الأصحاب كالشيخ