السيد علي الحسيني الميلاني

374

تحقيق الأصول (على ضوء أبحاث الشيخ وحيد الخراساني)

وبذلك لا يبقى أدنى ريبٍ في وجوب الشكر ، ويشهد بذلك كثرة التأكيد على الشكر في الكتاب والسنّة والاهتمام به والذمّ الشديد على تركه فيهما . ويزداد المطلب وضوحاً بما إذا فرضنا إنساناً فاقداً لكلّ شئ ، فلا ملبس ولا مأكل ولا مسكن له ، بل يعيش في مزبلةٍ نتنةٍ ، وقد ابتلي بأنواع الأسقام ، فجاء رجلٌ وأخرجه من ذلك المكان ، وأخذه إلى الطبيب المعالج ، وألبسه أفخر الثياب ، وقدّم له أطيب الأطعمة ، وأجلسه على كرسيّ السّلطنة ، فهل يجوّز العقل أن لا يسأل هذا الشخص عن الرجل الذي أحسن إليه هذا الإحسان وأنْ لا يشكره على ذلك ؟ إنّ الذي فعله اللَّه سبحانه بالإنسان أعلى وأعظم من ذلك ، يقول عزوجلّ « فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ . . . » « 1 » ويقول : « قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . . . » « 2 » فهكذا خلق اللَّه العلي العظيم السبّوح القدوس هذا الإنسان ، ثم خاطبه بقوله عزّ من قائل : « سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ » « 3 » . . . فالقول بوجوب شكر المنعم هذا معناه ، وهل الشكر في قوله سبحانه « إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَليهِ فَجَعَلْناهُ سَميعًا بَصيرًا إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا » « 4 » هو الشكر المستحب ؟

--> ( 1 ) سورة الطارق : الآية 6 . ( 2 ) سورة عبس : الآية 18 - 19 . ( 3 ) سورة الجاثية : الآية 13 . ( 4 ) سورة الإنسان : الآية 2 .