العلامة الحلي
18
منهاج الكرامة في معرفة الإمامة
من عواصف الاختلاف وأمواج الفتن المتلاطمة ؟ ! أكان كذلك يوم المباهلة حين جعل عليّا كنفسه ، وجعل الحسن والحسين أبناءه ، وفاطمة نساءه ؟ ! أكان كذلك حين رفع يد عليّ بمرأى ومسمع من الألوف الغفيرة القافلة من مكّة ، فجعله أولى بهم من أنفسهم ، وقال : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه ! أكان كذلك حين كان يقف عند باب فاطمة وعليّ عليهما السلام تسعة أشهر فيناديهم أن يقوموا للصلاة ، ويقرأ آية التطهير النازلة في حقّهم ؟ ! أكان كذلك حين آخى بين المهاجرين والأنصار ، فاستبقى عليّا لنفسه ، وآخاه دونهم ؟ ! ونسأل : أبرهن هذا القائل « حسبنا كتاب اللّه » ومن سبقه وتلاه في الخلافة أنّهم عالمون بما في كتاب اللّه ، مستغنون عن العترة ؟ أم أنّ هذا القائل لمّا رأى رسول اللّه مسجّى وقد فارق الحياة ، قال : من قال أنّ محمدا مات قتلته بسيفي هذا ؛ وإنّما رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم . ثم يحضر أبو بكر فيتلو عليه وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ فيصرّح بأنّه كأنّه لم يسمع هذه الآية من قبل ! ! « 1 » أعكف هذا القائل على كتاب اللّه يتلوه ليله ونهاره ، أم ألهاه عنه وعن سنّة النبيّ وحديثه الصفق في الأسواق كما يقول « 2 » لقد أجهد هذا القائل نفسه حتّى حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة ، فلمّا ختمها نحر جزورا « 3 » . وكان كثيرا ما يبتلى زمن خلافته بمسائل يحكم فيها بعلمه ، ثم يسأل أمير المؤمنين عليه السّلام عنها ، فيدلّه على طريق الصواب ، حتّى قال المرّة تلو المرّة « لولا عليّ لهلك عمر » .
--> ( 1 ) . الملل والنحل 1 : 15 ، وسيرة ابن هشام 4 : 655 - 656 . ( 2 ) . تفسير القرطبي 14 : 126 . ( 3 ) . الدر المنثور للسيوطي 1 : 21 .