الشيخ علي المشكيني
79
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)
المطلب الثالث : في النواهي أصل : اختلف الناس في مدلول صيغة النهي « 1 » حقيقة على نحو اختلافهم في الأمر . والحقّ : أنّها حقيقة في التحريم مجاز في غيره من الكراهة والقدر المشترك بينها وبين التحريم ؛ لأنّ التحريم هو المتبادر منها في العرف العامّ عند الإطلاق ، ولهذا يذمّ العبد على فعل ما نهاه المولى عنه بقوله : ( لا تفعله ) . واختلفوا أيضاً في بيان الفارق بين مفاد صيغة النهي وصيغة الأمر ، فذهب قوم إلى أنّ مفاد النهي أيضاً الطلب الأكيد ، إلّاأنّه متعلّق بترك الفعل ، فالأمر طلب لوجود الفعل ، والنهي طلب لعدمه ، فهما متّحدان في الحقيقة النوعية ، مختلفان في المتعلّق ، وقال آخرون بأنّ مفاد النهي عبارة عن الزجر المتعلّق بوجود الفعل ، فالأمر بعث نحو
--> ( 1 ) . لفظ النهي - أعني مادة ( ن ه ى ) - حكمه حكم مادّة الأمر ، فكما أنّها كانت ظاهرة بحكم التبادر في الطلب الأكيدالمتعلّق بالفعل المعبّرعنه بالإيجاب ، فكذلك مادّة النهي تدلّ على الطلب الأكيد المتعلّق بالترك عند المشهور ، أو على الزجر الأكيد المتعلّق بالفعل عندنا ، وإن لاحظت الكتاب الكريم وجدت الكلمة مع مشتقّاتها مستعملة في جلّ الموارد في التحريم ، قال تعالى : « وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنْكَرِ » ( النحل ( 16 ) : 90 ) ، « لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ » ( المائدة ( 5 ) : 63 ) ، « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ » ( النساء ( 4 ) : 31 ) . نعم قد استعملت في بعض الموارد في غير التحريم ، كقوله تعالى : « أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ » ( الأعراف ( 7 ) : 22 ) . وفي بعضها الآخر في الأعمّ من التحريم والكراهة ، كقوله تعالى : « وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » ( الحشر ( 59 ) : 7 ) وقال : « وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ » ( آل عمران ( 3 ) : 104 ) ، بناء على أنّ الموصول في « مانهاكم » ولفظ « المنكر » أعمّ من الحرام والمكروه ( ش ) .