الشيخ علي المشكيني

418

الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)

وأمّا القسم الثاني ، فلا إشكال أيضاً في عدم تعلّق تكليف إلهيّ بهذا النوع فعلًا وتركاً ؛ ويدلّ عليه من العقل حكمه القطعي بقبح أن يكلّف العاقلُ غيره بما لا يقدر عليه ، فضلًا عن الحكيم تعالى ؛ ومن النقل قوله تعالى : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها » . « 1 » والوسع هو الطاقة ، وصحيحة هشام : « اللَّهُ أكرَمُ مِن أن يُكَلِّفَ الناسَ ما لا يُطيقونَ » « 2 » ، وخبر الإحتجاج : « وذلك حُكمي في جَميعِ الامَمِ أن لا اكَلِّفَ خَلْقاً فوقَ طاقَتِهم » . « 3 » وأمّا القسم الثالث ، فالذي يستفاد من الكتاب والسنّة ، واستقرّ عليه كلمات الأصحاب - رضوان اللَّه تعالى عليهم - « 4 » كون تعلّق التكليف الإلزامي بالفعل الذي فيه عسر وحرج منفيّاً في هذه الشريعة ، وسَمّوا هذا الحُكم الكلّي بقاعدة نفي الحرج أو نفي العسر . فلهذه القاعدة موضوع ومحمول ؛ موضوعها : كلّ فعل أو ترك فيه حرج وشدّة على المكلّف ، ومحمولها : نفي حكمه الإلزاميّ والإخبار عن عدم تعلّق ذلك به في الشريعة ، أو رفع نفس الموضوع الحرجي ، ادّعاءً وتنزيلًا بلحاظ نفي حكمه . فالغسل في شدّة البرد والقيام للصلاة والصيام في شهر رمضان بالنسبة إلى المريض والهرم - ونحو ذلك - أفعالٌ حرجيّة ، رفع حكمها في هذه الشريعة بأدلّة نفي العسر والحرج . تنبيهات : الأوّل : استدلّ القوم على هذه القاعدة بأدلّة ؛ فمن الآيات قوله تعالى نقلًا لمسألة النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وآله ليلة المعراج : « رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِنا » . « 5 »

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 286 . ( 2 ) . والحديث : « إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ مَا لَايُطِيقُون » . الكافي ، ج 1 ، ص 160 ، ح 14 ، عن الإمام‌الصادق عليه السلام ؛ بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 41 ، ح 64 . ( 3 ) . والحديث - لمّا سأل النبي صلى الله عليه وآله ربّه جل جلاله عن « رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِه » : « قَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ : قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِأُمَّتِكَ ، وَقَدْ رَفَعْتُ عَنْهُمْ عِظَمَ بَلَايَا الْأُمَمِ ، وَذَلِكَ حُكْمِي فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ أَنْ لَاأُكَلِّفَ خَلْقاً فَوْق طَاقَتِهِمْ » . الإحتجاج ، ج 1 ، ص 526 ، ح 127 ، عن الإمام الكاظم ، عن آبائه ، عن الإمام الحسين عليهم السلام ؛ بحار الأنوار ، ج 10 ، ص 43 ، ح 1 . ( 4 ) . انظر : السرائر ، ج 1 ، ص 98 ؛ جامع الخلاف والوفاق ، ص 200 ؛ ذكرى الشيعة ، ج 4 ، ص 195 . ( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 286 .