الشيخ علي المشكيني
364
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)
الثاني : الروايات المتكثّرة الواردة في الأبواب المختلفة ، فمنها ما ورد في الخبرَين المتعارضَين فأوجب مولانا الصادق عليه السلام في مقبولة ابن حنظلة : « الأخذ بما يقوله الأعدل والأصدق وما هو المشهور » . « 1 » ونحوها ، وقال ابن أبي جهم للرضا عليه السلام : « يجيؤنا الرجلان كلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيُّهما الحقُّ ؟ » قال عليه السلام : « إذا لَم تَعلَمْ فَمُوسَّعٌ عَليكَ بِأَيِّهِما أخَذتَ » . « 2 » ؛ فلولا الحجّية لَما تعارضا ، ولما كان الترجيح بينهما مطلوباً .
--> ( 1 ) . والحديث : « عَنْ عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي دَيْنٍ أَوْمِيرَاثٍ ، فَتَحَاكَمَا إِلَى السُّلْطَانِ وَإِلَى الْقُضَاةِ ؛ أَ يَحِلُّ ذَلِكَ ؟ قَالَ : مَنْ تَحَاكَمَ إِلَيْهِمْ فِي حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ فَإِنَّمَا تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ ، وَمَا يَحْكُمُ لَهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ سُحْتاً وَإِنْ كَانَ حَقّاً ثَابِتاً ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُكْفَرَ بِهِ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : « يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ » . قُلْتُ : فَكَيْفَ يَصْنَعَانِ ؟ قَالَ : يَنْظُرَانِ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا ، وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا ، وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا ، فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَماً ؛ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً ، فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ فَإِنَّمَا اسْتَخَفَّ بِحُكْمِ اللَّهِ ، وَعَلَيْنَا رَدَّ ، وَالرَّادُّ عَلَيْنَا الرَّادُّ عَلَى اللَّهِ ، وَهُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ . قُلْتُ : فَإِنْ كَانَ كُلُّ رَجُلٍ اخْتَارَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِنَا فَرَضِيَا أَنْ يَكُونَا النَّاظِرَيْنِ فِي حَقِّهِمَا ، وَاخْتَلَفَا فِيمَا حَكَمَا ، وَكِلَاهُمَا اخْتَلَفَا فِي حَدِيثِكُم ؟ قَالَ : الْحُكْمُ مَا حَكَمَ بِهِ أَعْدَلُهُمَا وَأَفْقَهُهُمَا وَأَصْدَقُهُمَا فِي الْحَدِيثِ وَأَوْرَعُهُمَا ، وَلَايَلْتَفِتْ إِلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ الْآخَرُ . قَالَ : قُلْتُ : فَإِنَّهُمَا عَدْلَانِ مَرْضِيَّانِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، لَايُفَضَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ ؟ قَالَ : فَقَالَ : يُنْظَرُ إِلَى مَا كَانَ مِنْ رِوَايَتِهِمْ عَنَّا فِي ذَلِكَ الَّذِي حَكَمَا بِهِ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِكَ ، فَيُؤْخَذُ بِهِ مِنْ حُكْمِنَا ، وَيُتْرَكُ الشَّاذُّ الَّذِي لَيْسَ بِمَشْهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِكَ ؛ فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَارَيْبَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ : أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَيُتَّبَعُ ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَيُجْتَنَبُ ، وَأَمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : حَلَالٌ بَيِّنٌ ، وَحَرَامٌ بَيِّنٌ ، وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ ، فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَايَعْلَمُ . قُلْتُ : فَإِنْ كَانَ الْخَبَرَانِ عَنْكُمَا مَشْهُورَيْنِ قَدْ رَوَاهُمَا الثِّقَاتُ عَنْكُمْ ؟ قَالَ : يُنْظَرُ ، فَمَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَخَالَفَ الْعَامَّةَ فَيُؤْخَذُ بِهِ وَيُتْرَكُ مَا خَالَفَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَوَافَقَ الْعَامَّةَ . قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْفَقِيهَانِ عَرَفَا حُكْمَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَوَجَدْنَا أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ مُوَافِقاً لِلْعَامَّةِ وَالْآخَرَ مُخَالِفاً لَهُمْ ، بِأَيِّ الْخَبَرَيْنِ يُؤْخَذُ ؟ قَالَ : مَا خَالَفَ الْعَامَّةَ فَفِيهِ الرَّشَادُ . فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، فَإِنْ وَافَقَهُمَا الْخَبَرَانِ جَمِيعاً ؟ قَالَ : يُنْظَرُ إِلَى مَا هُمْ إِلَيْهِ أَمْيَلُ حُكَّامُهُمْ وَقُضَاتُهُمْ ، فَيُتْرَكُ وَيُؤْخَذُ بِالْآخَرِ . قُلْتُ : فَإِنْ وَافَقَ حُكَّامُهُمُ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعاً ؟ قَالَ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَرْجِهِ حَتَّى تَلْقَى إِمَامَكَ ؛ فَإِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَات » . الكافي ، ج 1 ، ص 67 ، ح 10 ؛ بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 221 ، ح 1 . ( 2 ) . والحديث : « عن الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ ، عَنِ الرِّضَا عليه السلام قَالَ : قُلْتُ لِلرِّضَا عليه السلام : تَجِيؤُنَا الْأَحَادِيثُ عَنْكُمْ مُخْتَلِفَةً ؟ قَالَ : مَاجَاءَكَ عَنَّا فَقِسْهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَأَحَادِيثِنَا ، فَإِنْ كَانَ يُشْبِهُهُمَا فَهُوَ مِنَّا ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْهُمَا فَلَيْسَ مِنَّا ، قُلْتُ : يَجِيؤُنَا الرَّجُلَانِ وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ بِحَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا نَعْلَمُ أَيُّهُمَا الْحَقُّ فَقَالَ إِذَا لَمْ تَعْلَمْ فَمُوَسَّعٌ عَلَيْكَ بِأَيِّهِمَا أَخَذْت » . الإحتجاج ، ج 2 ، ص 264 ، ح 233 ؛ بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 224 ، ح 1 .