الشيخ علي المشكيني
327
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)
بين فعل أحدهما وترك الآخر ، وليس له الجمع بين فعلهما معاً ولا تركهما كذلك ، وهذا القسم هو مجرى أصالة التخيير . والتخيير هنا حكم عقلي ظاهريّ جارٍ في المسألة الفرعية ، ولذا عَدّوا أصالة التخيير من الأصول العقلية ؛ راجع عنوان أصالة التخيير . الثاني : مورد تزاحم الحكمَين في مقام الامتثال ، مع عجز المكلّف عن امتثالهما معاً ؛ « 1 » كالضدّين الواجبَين أو المستحبَّين ، كما إذا عجز عن إنقاذ كِلا الغريقَين مع كونهما واجبيّ الإنقاذ ؛ والبحث في هذا القسم مربوط بباب التزاحم ، والتخيير هنا حكم عقلي واقعيّ ، مجراه المسألة الفرعية . الثالث : مورد تنافي الخبرَين المتعارضَين ، أو مطلق الأمارتين المتعارضتين ، « 2 » مع عدم مرجّح لأحدهما في البَين ، وعدم كون حكمهما التساقط والرجوع إلى الأصول العملية ؛ والبحث في ذلك موكول إلى باب التعارض وباب المرجّحات ، والتخيير هنا حكم ظاهريّ شرعيّ متعلّق بالفقيه دون العامّي ، ثابت بأدلّة العلاج ، جارٍ في المسألة الأصولية أعني الحجّية . تنبيه : هل التخيير الثابت للفقيه في القسم الأخير ابتدائيّ أو استمراريّ ؟ فيه وجهان ؛ بل قولان : بيانه : أنّه إذا دلّ دليل على وجوب الجمعة ، ودليل آخر على وجوب الظهر مثلًا ، وقلنا بتخيير الفقيه ، فهل له أن يختار مرّةً الخبر الدالّ على وجوب الجمعة ، وأخرى الدالّ على الظهر ، وهكذا ؛ فله التخيير دائماً وفي جميع الوقائع ؟ أوليس له التخيير إلّافي الواقعة الأولى ؛ فإذا اختار أحدهماً ابتداءً ، ليس له أن يعدل إلى الآخر بعد ذلك ؟ وجهان . ذهب عدّة إلى الأوّل « 3 » تمسّكاً بإطلاق أدلّة التخيير ، كقوله عليه السلام : « إذن فتخيَّر » « 4 » ،
--> ( 1 ) . فوائد الأصول ، ج 3 ، ص 419 . ( 2 ) . فوائد الأصول ، ج 3 ، ص 420 . ( 3 ) . فرائد الأصول ، ج 4 ، ص 43 . ( 4 ) . والحديث : « عن زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ : سَأَلْتُ الْبَاقِرَ عليه السلام فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، يَأْتِي عَنْكُمُ الْخَبَرَانِ أَوِ الْحَدِيثَانِ الْمُتَعَارِضَانِ فَبِأَيِّهِمَا آخُذُ ؟ فَقَالَ : يَا زُرَارَةُ ، خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ ، وَدَعِ الشَّاذَّ النَّادِرَ . فَقُلْتُ : يَا سَيِّدِي ، إِنَّهُمَا مَعاً مَشْهُورَانِ مَرْوِيَّانِ مَأْثُورَانِ عَنْكُمْ ؟ فَقَالَ عليه السلام : خُذْ بِقَوْلِ أَعْدَلِهِمَا عِنْدَكَ وَأَوْثَقِهِمَا فِي نَفْسِكَ . فَقُلْتُ : إِنَّهُمَا مَعاً عَدْلَانِ مَرْضِيَّانِ مُوَثَّقَانِ ؟ فَقَالَ : انْظُرْ إِلَى مَا وَافَقَ مِنْهُمَا مَذْهَبَ الْعَامَّةِ فَاتْرُكْهُ ، وَخُذْ بِمَا خَالَفَهُمْ ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيمَا خَالَفَهُمْ . فَقُلْتُ : رُبَّمَا كَانَا مَعاً مُوَافِقَيْنِ لَهُمْ أَوِ مُخَالِفَيْنِ فَكَيْفَ أَصْنَعُ ؟ فَقَالَ : إِذَنْ فَخُذْ بِمَا فِيهِ الْحَائِطَةُ لِدِينِكَ ، وَاتْرُكْ مَا خَالَفَ الِاحْتِيَاطَ . فَقُلْتُ : إِنَّهُمَا مَعاً مُوَافِقَانِ لِلِاحْتِيَاطِ أَوْ مُخَالِفَانِ لَهُ فَكَيْفَ أَصْنَعُ ؟ فَقَالَ عليه السلام : إِذَنْ فَتَخَيَّرْ أَحَدَهُمَا فَتَأْخُذُ بِهِ وَتَدَعُ الْآخَر » . عوالي اللآلي ، ج 4 ، ص 133 ، ح 229 ؛ بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 245 ، ح 57 .