الشيخ علي المشكيني

316

الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)

سمعيّة توجب العلم بتلك الأحكام ، فباب العلم بالأحكام الاعتقادية مفتوح ، وهذا انفتاح في الاعتقاديّات ، والعلماء فيها انفتاحيّون . وأمّا الأحكام الشرعية الفرعية من التكليفية والوضعية والواقعية والظاهرية ، فقد اختلفت فيها آراء الأصحاب ؛ فمنهم : من يدّعي إمكان الوصول إليها عِلماً ، وإنّ لنا إليها طريقاً حقيقياً منجعلًا وهو العلم ، ولا فرق بين حال حضور الإمام عليه السلام وإمكان التشرّف بحضرته ، وبين حال الغيبة ، فلنا ظواهر قطعية وأخبار متواترة تورِث للمتتبّع العلمَ الوجدانيّ بالأحكام كلّها أو جُلّها ، وليس هذا المعنى انفتاحاً حقيقياً ، والقائل بذلك كان بعض علمائنا في الصدر الأوّل كالسيّد المرتضى وغيره « 1 » ممّن كانوا قريبي العهد من عصر بعض الأئمّة عليهم السلام ، وكان يمكنهم تحصيل العلم والاطّلاع على الأحكام . ومنهم : من ينكر الوصول بنحو العلم ، ويدّعي انفتاح باب العلميّ إلى غالب الأحكام ؛ بمعنى أنّ لنا طرقاً وأدلّةً مجعولةً من طرف الشرع والعقل ، موصلةً إلى معظمها أو جميعها ، وافيةً في إثباتها ، كخبر الثقة والإجماع المحصّل والمنقول والشهرة الفتوائية وحكم العقل . وتلك الطرق مقطوعة الاعتبار ، ويطلق عليها العلميّ ؛ للعلم باعتبارها وكون دليل اعتبارها قطعياً ، فهو يدّعي انفتاح باب العلميّ دون العلم ، وليس هذا المنى انفتاحاً حكمياً ، والقول به مشهور شهرةً عظيمةً ، تقرب من الإتّفاق . ومنهم : من يدّعي الإنسداد وأنّه لا طريق لنا إلى الواقع لا علماً ولا عِلميّاً ، ويطلق على هذا المعنى الإنسداد ، وعلى قائله الإنسدادي .

--> ( 1 ) . الذريعة ، ج 2 ، ص 549 ؛ رسائل الشريف المرتضى ، ج 1 ، ص 210 ، و 315 - 323 ؛ عدّة الأصول ، ج 1 ، ص 122 ، وانظر : رسائل الشريف المرتضى ، ج 1 ، ص 26 ، و 82 ، وهذه المسألة ممّا لا تصريح عليه بين القدماء ؛ لأنّها ليست من ابتلائهم الجدّية ، فالأخبار والقرائن موجودة عندهم ، وانسداد باب العلم ليس من مسائلهم المهمّة ، وانظر : عدّة الأصول ، ج 1 ، ص 108 - 158 ؛ أمّا ما يظهر من كلماتهم من مباحث حجّية خبر الواحد المحفوفة بالقرائن والإجماع وحكم العقل خلاف ما ادّعى المولّف رحمه الله ، فهو يدّعي أنّ السيّد وأقرانه يقولون بانفتاح باب العلم ، وعدّة أخرى يقولون بانفتاح باب العلميّ ، على أنّ السيّد وأقرانه أيضاً يقولون بحجّية خبر الواحد المحفوف بالقرائن العلمية وحجّية الإجماع وحُكم العقل ، وهذا ينافي تقسيم المؤلّف رحمه الله .