الشيخ علي المشكيني
257
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)
وأمّا « التقليد » فقد يعرَّف بأنّه : أخذُ قول الغير للعمل به في الفرعيّات ، والالتزام به قلباً في الاعتقاديات تعبّداً وبلا مطالبة دليل ؛ « 1 » فإذا أفتى الفقيه بوجوب صلاة الجمعة أو حرمة شرب العصير ، فالتزم به المقلّد ، وبنى قلباً على العمل به ، من دون أن يطالبه بدليل الحكم ، تَحَقَّقَ التقليد ، وصحّ أن يقال : « إنّه قلّد الفقيهَ في هذه المسألة » وإن لم يَعمل به بعد . وكذا إذا أفتى المجتهد بأنّ المعراج - مثلًا - جسمانيّ ، فتَعلَّمه المقلِّد واعتقد به في قلبه ، تحقّق التقليد فيها . وقد يعرّف بأنّه : العمل استناداً إلى قول الغير ، « 2 » وعليه : لا يتحقّق التقليد بمجرّد تعلُّم الحكم ما لم يعمل به . ولا يخفى عليك : أنّ المناسب للمورد من معانيه اللغوية معنيان : الأوّل : كونه بمعنى جعل الشيء ذا قلادة ، ويتعدّى - حينئذٍ - إلى مفعولَين ؛ أوّلهما الشيء الذي تجعل القلادة له ، وثانيهما الشيء المجعول قلادةً ، يقال : « قلّد الهديَ نعلَه » . أي جعله قلادةً له ، و « قلّد العبد حبلًا » . أي جعله قلادةً على عنقه ، فيكون معنى « قلّدتُ الفقيه صلاتي وصومي وحَجّي » . جعلها على عنقه ، وألقيتها على عُهدته ؛ وهذا المعنى يقتضي كون التقليد هو العمل ؛ فإنّه ما دام لم يعمل لم يصدُق أنّه قلّده وألقى العمل على رقبته . الثاني : التبعية ، ويتعدّى إلى المفعول الثاني ب « في » ، يقال : قلّده في مشيه ، أي تبعه فيه ، فيكون معنى قلّد الفقيهَ في وجوب الصلاة وحرمة الخمر ، اتّبعه فيهما ، وعلى هذا المعنى إن أريد في باب التقليد من التبعية التبعية بحسب القلب والاعتقاد ، كان التقليد هو الالتزام ، وإن أريد بها التبعية بحسب العمل كان هو العمل عن استناد . ثمّ إنّ كثرة استعمالهم التقليد متعدّياً ب « في » شاهدة على إرادتهم المعنى الثاني وإن كان أحدهما كنايةً عن الآخر .
--> ( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 472 . ( 2 ) . مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 477 .