الشيخ علي المشكيني
142
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)
التجرّي أصل : اعلم : أنّه إذا قطع الإنسان بوجوب فعل أو حرمته وكان قطعه مصيباً ، فإن عمل على وفق قطعه سمّي عمله طاعة حقيقية ، كمن قطع بوجوب صلاة الجمعة فأتى بها وكانت واجبة في الواقع ، وإن لم يعمل على وفقه سمّي ذلك مخالفة حقيقية وعصيانا ، كمن ترك الجمعة في المثال . وأمّا إذا قطع بتكليف وكان قطعه مخالفاً للواقع ، فإن عمل على وفقه سمّي عمله انقياداً ، كمن قطع بخمرية مائع فترك شربه ثمّ ظهر كونه ماءاً ، وإن خالف قطعه سمّي ذلك تجرّياً ، كمن شراب المائع في المثال . ثمّ لا إشكال في صورة إصابة القطع ، وأنّه يستحقّ العبد المدح والثواب في الطاعة الحقيقية ، والذمّ والعقاب في المعصية الحقيقية . وأمّا القطع المخالف للواقع ، فالظاهر أنّه لا كلام أيضاً في رجحان موافقته وحسن الانقياد عقلًا واستحقاق المنقاد للمدح . وأمّا مخالفته المسمّاة بالتجرّي فقد وقع الاختلاف فيها ، فقال قوم بحرمة الفعل المعنون بعنوان التجرّي شرعاً واستحقاق عامله للعقاب كشرب الماء في المثال ، وذهب آخرون إلى عدم حرمته وعدم ترتّب العقاب عليه ، وفصّل ثالث فقال بعدم حرمته شرعاً ، واستحقاق العامل العقوبة عليه عقلًا ، وهذا هو المختار . لنا على عدم الحرمة شرعا : أنّه لا دليل عليها في المقام ؛ فإنّ مقتضى الأدلّة ترتّب الحرمة على عنوان الواقع كالخمر في المثال ، لا على عنوان الماء - مثلًا - أو