الشيخ علي المشكيني
77
دروس في الأخلاق
الدرس الرابع عشر : في الشُّكر الدرس الرابع عشر : في الشُّكر « الشُّكر » في اللغة : الثَّناء . يُقال : شكرتُه ، أو شكرتُ له ، أي : أثنيتُ عليه . أو هو بمعنى الكشف ؛ لأنّه مقلوبُ « كَشَرَ » بمعنى : كشف . والمراد هنا : مقابلةُ نعمة المنعم بالنيّة أو القول أو الفعل . ومعنى الأوّل القصدُ إلى تعظيم صاحبها وتمجيده وتحميده ، ويلازم ذلك عرفانه بذاته وصفاته ومقامه ، والتفكّر في علل إنعامه وإحسانه ، ليعرف كيفيّة شكره ومقدار ما يجب عليه عقلًا من مقابلة نعمته ، والعزم على القيام بذلك مهما تيسّر . ومعنى الثاني إظهار ذلك بلسانه بما يناسب مقامَ المنعم ومقدار النعمة . ومعنى الثالث استعمال ما وَصَل إليه من النعمة فيما أراده المنعم ، إن علم كون البذل لغرضٍ خاصٍّ ، أو اشترط عليه مصرفاً معيّناً . وأن لا يصرفها في خلاف رضاه ، أو في مخالفته ومضادّته . هذا في الشكر بنحو الإطلاق ؛ وأمّا شكر المنعم تعالى ، فهو من أوجب الواجبات العقليّة ، ولا يمكن الإتيان بشيء من شكر نعمه تعالى إلّابصرف نعم كثيرةٍ أخرى منه تعالى ؛ فإنّ جميع أسباب القيام بالشكر - مِن العقل ، والقلب ، واللّسان ، والجوارح - كلّها نِعم مبذولة مِن ناحيته تعالى ، والأفعال الصادرة بها أيضاً تَصدر بنُصرته وإمداده . فكلّما قال الشاكر : لك الشكر ، احتاج ذلك إلى شكر . وكلّما قال : لك الحمد ، وجب أن يقول كذلك : لك الحمد . وعلى هذا فحقيقة الشكر تنتهي إلى العجز عن الشكر ، ويكون آخر مراتب الشكر هو الاعتراف بالعجز عن الشكر ، فقد ورد : أنّ اللَّه أوحى إلى موسى : « أشكرني حقّ شكري » فقال : « يا ربّ ، كيف ذلك ، وليس من شكرٍ إلّاو أنت أنعمت به عَلَيّ ؟ ! » فقال :