الشيخ علي المشكيني

48

دروس في الأخلاق

لأنّ النيّة تنشأ عن الشاكلة ، فمعنى الآية : أنّ مبنى عمل كلّ إنسانٍ وما يصدر منه فعله نيّتُه الصادرة عن شاكلته ؛ فالنيّة مصدر الأعمال وملاكها ، ولها دخل تامّ في حُسنها وقبحها وخيرها وشرّها ، وهذا ممّا تشير إليه أخبار الباب وتوضحه وتفسّره . فقد ورد أنّه « لا قول ولا عمل إلّابنيّةٍ ، ولا نيّة إلّابإصابة السنّة » « 1 » ؛ أي : لاصحّة ولا ثواب لأيّ قولٍ أو فعلٍ يصدر من المكلّف إلّاإذا قصد كونه للَّه ، ورجاء وجهه ورضاه ، أو طلب ثوابه ، أو الخلاص من عقابه ، وهذا معنى إصابة السنّة . وأنّ « نيّة المؤمن خير من عمله ، ونيّة الكافر شرّ من عمله » . « 2 » النيّة هنا بمعنى الاعتقاد والإيمان ، وهو خير من العمل الخارجي ، كما أنّ الكفر القلبي شرّ من الفسق العملي . أو أنّ نيّة الخير من المؤمن إذا لم يقدر عليه خير من العمل إذا قدر ؛ لأنّ النيّة خالصة للَّه ، والعمل ربّما كان رئاءً ونحوه ، والكافر ينوي من الشرّ فوق ما قد يعمل به . أو أنّ النيّة لمّا كانت أمراً قلبيّاً كثير الشَّوْب بالأغراض النفسيّة والدنيويّة وإخلاصها وتصفيتها وتمحيصها ، بحيث لا يشوبها أيّ غرضٍ غير رضا اللَّه تعالى ، أمرٌ صعب جدّاً ، لا يناله إلّاالأوحدي من الناس ، ومع ذلك لها عندهم مراتب كثيرة ؛ فمع ملاحظة أنّ حسن العمل وكماله ينشئان من حسنها وكمالها ، يعلم أنّ طبيعة النيّة وجوهرتها تغاير طبيعة العمل ، وأنّها خير بالأصالة ، والعمل خير بالتَّبَع ، ومنه يعلم شرّيّة نيّة الكافر . وقيل في هذا المقام معانٍ اخر . وأنّه « يُحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة » « 3 » . المراد بها العقائد الأصوليّة ، فيحشرون مؤمنين أو كفّاراً أو منافقين كيفما كانت النيّات ، أو يحشرون في اتّصافهم بجزاء الأعمال على وفق نيّاتهم في تلك الأعمال . وأنّ « صاحب النيّة الصادقة صاحب القلب السليم » « 4 » . وأنّ « حدّ العبادة حسن النيّة بالطاعة » « 5 » .

--> ( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 70 ، ح 9 ؛ تحف العقول ، ص 43 ، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . ( 2 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 84 ، ح 2 ؛ عوالي اللآلي ، ج 1 ، ص 406 ، ح 67 و 68 عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . ( 3 ) . الكافي ، ج 5 ، ص 20 ، ح 1 ؛ تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 135 ، ح 228 عن الإمام الصادق عليه السلام مع اختلاف يسير في اللفظ . ( 4 ) . مصباح الشريعة ، ص 53 ؛ بحار الأنوار ، ج 70 ، ص 210 ، ح 32 . ( 5 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 85 ، ح 4 ؛ بحار الأنوار ، ج 70 ، ص 199 ، ح 3 مع اختلاف يسير في اللفظ ملخّصاً .