الشيخ علي المشكيني

42

دروس في الأخلاق

وأنّه قال : « لا تدع النفس وهواها ؛ فإنّ هواها في رداها وترك النفس ، وما تهوى أذاها وكفّ النفس عمّا تهوى دواها » « 1 » . تبصرة ينبغي أن يعلم أنّه ليس كلّما تهواه النفس وتشتهيه منهيّاً عنه من قِبل اللَّه تعالى ومبغوضاً عنده ، كما أنّه ليس كلّما لا تهواه وتبغضه محبوباً عنده ؛ بل الحقّ أنّ ما تهواه النفس على قسمين : محرّم مبغوض ، ومكروه مذموم . والأوّل ما تهواه وتشتهيه من المحرّمات التي حرّمها اللَّه وأبغضها . والثاني ما تهواه وتشتهيه ممّا كرّهه اللَّه ولم يحرّمه ، وكان ارتكاب الإنسان له لمجرّد الشهوة النفسانيّة غير قاصدٍ به نفعاً حتّى تأثيره في إغناء النفس عن الحرام وعمّا لا يليق بحالها ولا ينبغي لها ، فما يرتكبه الإنسان من الملاذ التي تهواه النفس ولم يحرّمه الشرع - كالانتفاع بالأغذية والألبسة المحلّلة ، والمساكن المجلّلة ، والنساء ، والبنين ، والأموال ، ونحوها - ليس مشمولًا للنواهي المذكورة . كيف ، والشرع الأنور قد حثّ على الزواج ، بل على اختيار المرأة الحسناء ، والأكل من الطيّبات ! وكثيراً ما يتلذّد بعض العلماء بعلمهم أكثر ممّا يتلذّد الفسّاق بفسقهم ، ويستلذّ العُبّاد بمناجاتهم أكثر من أهل اللهو بمعاصيهم ، كما أنّه ليس كلّ ما لا تشتهيه النفس مرغوباً إليه في الشرع ، وإلّا لاستلزم وجوب تناول كلّ ما لا تشتهيه من الأطعمة والأشربة والزواج بمن لا يميل إليها الطبع من النساء ، ولا أقلّ من استحبابه ، مع أنّه ليس كذلك . فما ورد من النواهي عن اتّباع الهوى والتعابير الحاكية عن كراهته ومبغوضيّته خطابات إرشاديّة تهدي إلى وجود مضارّ ومفاسد في اتّباع الهوى ، وارتكاب ما تعلّقت به النواهي التحريميّة والتنزيهيّة ، وترتّب عقوباتها الدنيويّة والاخرويّة .

--> ( 1 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 336 ، ح 4 ؛ بحار الأنوار ، ج 70 ، ص 89 ، ح 20 .